في خطوة دبلوماسية لافتة، حمل الرئيس الفلسطيني محمود عباس من العاصمة الإيطالية روما، رؤية متكاملة لمستقبل الأراضي الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب. خلال لقائه بنظيره الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، لم تقتصر المباحثات على تعزيز العلاقات الثنائية، بل شكلت منصة لطرح خريطة طريق فلسطينية واضحة المعالم، تسعى من خلالها السلطة الفلسطينية إلى استعادة زمام المبادرة على الساحة الدولية.
دعم أوروبي ومباحثات استراتيجية
أثنى الرئيس عباس على الدعم الإيطالي الإنساني واللوجستي، الذي يشمل استضافة الأطفال الجرحى من غزة وتدريب الكوادر الأمنية الفلسطينية، وهو ما يعكس عمق العلاقات التاريخية. لكن الأهمية الاستراتيجية للزيارة تكمن في حشد الدعم الأوروبي لرؤية السلطة الفلسطينية لـ”اليوم التالي” في غزة، في وقت تتصاعد فيه النقاشات الدولية حول مستقبل القطاع.
طرح عباس تصورًا فلسطينيًا خالصًا يقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات، وصولًا إلى تولي السلطة الفلسطينية مسؤولياتها كاملة في قطاع غزة بعد انسحاب إسرائيلي شامل. هذه الرؤية تأتي كبديل مباشر للطروحات الإسرائيلية التي تستبعد أي دور سياسي للسلطة، مما يجعل الدعم الأوروبي حجر زاوية في إنجاح المسعى الفلسطيني.
إصلاحات شاملة وسلاح شرعي واحد
لم يغفل الرئيس الفلسطيني المخاوف الدولية والمحلية المتعلقة بأداء السلطة، حيث قدم التزامًا واضحًا بتنفيذ حزمة إصلاحات جوهرية. تشمل هذه الإصلاحات، التي يُنتظر أن تبدأ خلال عام من انتهاء الحرب، إصدار دستور مؤقت وقوانين جديدة للأحزاب والانتخابات، بهدف تعزيز بنية الدولة الديمقراطية. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف إلى تجديد الشرعية وتقديم السلطة كشريك موثوق للمجتمع الدولي.
النقطة الأكثر حساسية في الطرح الفلسطيني كانت التأكيد على مبدأ “الدولة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد”. هذا المبدأ يعني نزع سلاح جميع الفصائل، بما فيها حركة حماس التي أكد عباس أنها لن تلعب دورًا في حكم القطاع، وتسليمه للدولة. يمثل هذا الشرط تحديًا كبيرًا، لكنه في الوقت نفسه رسالة حاسمة للمجتمع الدولي بأن السلطة الفلسطينية هي الممثل الوحيد القادر على ضمان الاستقرار ومنع تكرار سيناريوهات الفوضى.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي، د. حسن أيوب، إن “جولة الرئيس عباس الأوروبية تمثل محاولة استباقية لرسم ملامح الحل السياسي، وتقديم السلطة كشريك دولي موثوق قادر على إدارة مرحلة انتقالية معقدة، في مواجهة الطروحات التي تسعى لتهميش أي دور سياسي فلسطيني في غزة، وإعادة تأكيد أن الضفة والقطاع وحدة جغرافية وسياسية واحدة نحو حل الدولتين“.
خلاصة استراتيجية
تتجاوز زيارة الرئيس عباس إلى روما حدود اللقاءات البروتوكولية، لترسم ملامح استراتيجية فلسطينية جديدة تسعى لاستثمار اللحظة السياسية الراهنة. فمن خلال تقديم رؤية تجمع بين إدارة غزة، وإصلاح الداخل، وتوحيد الشرعية الأمنية، تحاول السلطة الفلسطينية أن تقول للعالم إنها الطرف الجاهز والبديل المنطقي الوحيد لقيادة مرحلة تتطلب بناء الدولة وإنهاء الصراع.
