شهدت مدينة مينيابوليس الأمريكية، مؤخراً، حادثة أثارت جدلاً واسعاً، تمثلت في اعتقال طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره ووالده على يد عناصر الشرطة الفيدرالية للهجرة والجمارك (ICE). تأتي هذه الواقعة لتسلط الضوء مجدداً على سياسات الهجرة القمعية في البلاد، التي وصفها الرئيس السابق دونالد ترامب بأنها “الأكثر جاذبية في العالم”.
وتداول ناشطون على نطاق واسع، الخميس، صورة مؤثرة لطفل يبلغ خمس سنوات، وهو يقف بوجهه نحو باب سيارة، بينما يمسك به ضابط يرتدي الزي الرسمي من حقيبة ظهره، في مشهد يعكس التوتر المتصاعد. هذه الصورة جاءت بعد أسبوعين فقط من حادثة إطلاق النار المميتة على رينيه جود، الأم البالغة من العمر 37 عاماً، على يد عميل “ICE” جوناثان روس، الذي أطلق عليها ثلاث رصاصات قاتلة، واحدة في الرأس واثنتين في الصدر، بعد ثوانٍ من التقاط صورة لها وهي تبتسم له.
الطفل الظاهر في الصورة يدعى ليام كونيهو راموس، وهو طالب في مرحلة ما قبل المدرسة بإحدى مدارس منطقة كولومبيا هايتس بمدينة مينيسوتا. استغرقت عائلته وأصدقاؤه أكثر من 24 ساعة لاكتشاف أن ليام ووالده، أدريان ألكسندر كونيهو أرياس، محتجزان في مركز احتجاز بمدينة سان أنطونيو بولاية تكساس. وأفاد شهود عيان بأن السلطات استخدمت ليام “كطعم” في محاولة لاعتقال المزيد من أفراد أسرته.
وأوضحت زينا ستينفيك، المشرفة على المنطقة التعليمية، أن الأب والابن اعتقلا الأربعاء بالقرب من منزلهما، بعد أن ذهب الأب لاصطحاب ابنه من المدرسة. ويعد ليام الطفل الرابع أو القاصر في هذه المنطقة الذي يتم اعتقاله من قبل مسؤولين فيدراليين خلال حملة ملاحقة المهاجرين في المنطقة، والتي تزايدت وتيرتها بعد وفاة جود.
وتشهد المنطقة انتشاراً مكثفاً لنحو 3000 عنصر من الشرطة الفيدرالية للهجرة والجمارك، فيما أبقت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) 1500 جندي في حالة تأهب قصوى، تحسباً لإعلان ترامب قانون التمرد، الذي يعادل فرض حالة الطوارئ. وصلت التوترات، التي يصفها سكان مينيابوليس بـ”الغزو”، إلى نقطة الغليان، حيث تتواصل الاحتجاجات رغم درجات الحرارة المتجمدة، وتتعالى الأصوات المعبرة عن مخاوف من مواجهة مدنية.
وفي تعليقها على الواقعة، تساءلت ستينفيك: “لماذا يتم اعتقال طفل في الخامسة من عمره؟”، وأجابت: “لا يمكنك أن تخبرني أن هذا الطفل سيصنف كمجرم عنيف”.
من جانبها، أفادت تريشيا لافلين، المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي، في بيان، بأن الشرطة الفيدرالية كانت تنفذ عملية لاعتقال الأب، الذي وصفته بـ”الأجنبي غير الشرعي”. وأكدت لافلين أنهم “لم يكونوا يستهدفون الطفل”، لكن الأب فر هارباً “متخلياً عن طفله”. وأوضحت أن عناصر الشرطة الفيدرالية “احتجزوا الطفل من أجل سلامته، بينما كان آخرون يلاحقون الأب”. لكن شهود العيان نفوا هذه الرواية.
توجهت ستينفيك فور علمها بالحادثة إلى منزل العائلة، وأشارت إلى أنها وصلت بينما كانت سيارة الأب لا تزال تعمل، وهو بداخلها. ورأت كيف أخرجوا الطفل من السيارة وأمروه بطرق باب منزله. واعتبرت ستينفيك أن هذه كانت طريقة لاستدراج أي أشخاص آخرين قد يكونون داخل المنزل، ووصفت ذلك بـ”استخدامه كطعم”. كانت الأم في المنزل لكنها لم تفتح الباب.
وأفادت المشرفة التعليمية بأن شخصاً بالغاً آخر كان في الشارع، وهو مقيم في نفس المنزل وشاهد التسلسل الكامل للأحداث، توسل للسماح له بالاعتناء بليام لتجنب اعتقاله، لكن طلبه قوبل بالتجاهل، وفقاً لهذه الرواية. وكررت المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي أن سياستهم تقضي بسؤال الآباء عما إذا كانوا يرغبون في أن يرافقهم أطفالهم أو أن تقوم الشرطة الفيدرالية بتسليمهم لشخص يحدده الوالدان.
وصل شقيق ليام الأكبر، وهو طالب في المرحلة الثانوية، بعد حوالي 20 دقيقة دون أن يكون على علم بما حدث لوالده وشقيقه.
وأكد المحامي مارك بروكوش، ممثل العائلة، أن موكليه لديهم طلب لجوء قيد المعالجة، وعرض وثائق تثبت أن الأب والابن دخلا البلاد عبر ميناء دخول رسمي، مما يعني أنهما فعلا ذلك وفقاً للقانون. وشدد المحامي على أن “العائلة قامت بكل ما هو مطلوب منها وفقاً للقواعد المعمول بها، واتبعت الإجراءات القانونية بشكل مثالي، بدءاً من تقديم أنفسهم على الحدود لطلب اللجوء وانتظار تطور العملية”. وأضاف: “لم يأتوا بطريقة غير قانونية، وليسوا مجرمين”. وأشار إلى عدم وجود أمر ترحيل ضدهم، معرباً عن اعتقاده بأن الأب والابن محتجزان معاً في تكساس تحت وصاية وزارة الأمن الداخلي.
نشر مسؤولو المدرسة صورتين لليام: إحداهما تظهر جبهته مواجهة للسيارة، والأخرى يظهر فيها وهو يطرق باب منزله، تحت حراسة عميل ملثم يذكر بأسلوب القوات شبه العسكرية في الديكتاتوريات العسكرية.
أصدر معلم ليام بياناً أشاد فيه بسلوك ليام الدراسي الجيد، وسلط الضوء على الصدمة التي تسببها عمليات الشرطة الفيدرالية للأطفال والمجتمع بأكمله.
في سياق متصل، أعلنت بام بوندي، رئيسة وزارة العدل، الخميس، عن اعتقال ثلاثة نشطاء في مينيسوتا بتهمة تنظيم احتجاج في كنيسة بمدينة سانت بول نهاية الأسبوع الماضي، بسبب مزاعم ارتباط قسها بالشرطة الفيدرالية. كما رفعت وزارة العدل دعاوى جنائية ضد ما لا يقل عن خمسة من قادة الحزب الديمقراطي في الولاية، بمن فيهم الحاكم تيم والز وعمدة مينيابوليس جيكوب فري. وكما ذكرت السيناتور تينا سميث من مينيسوتا، يتم التحقيق مع الجميع باستثناء العميل روس، الذي أطلق النار على جود من مسافة قريبة.
وزار نائب الرئيس جيه دي فانس مينيابوليس الخميس، ونصح بأن تحقيق السلام يتطلب خضوع المواطنين لعناصر الشرطة الفيدرالية الملثمين. وعند سؤاله عن ليام، تمتم قائلاً: “أنا فخور بأننا ندعم تطبيق القانون. الطفل البالغ من العمر خمس سنوات لم يتم اعتقاله. والده كان غير شرعي، لذا فإن القصة هي أن الشرطة الفيدرالية اعتقلت طفلاً في الخامسة من عمره، فماذا يفترض بهم أن يفعلوا؟”.
