اقتصاد

طريق التنمية العراقي.. رؤية تركية أبعد من اللوجستيات

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

لم يعد مشروع “طريق التنمية” العراقي مجرد مسار لنقل البضائع في عيون أنقرة، بل تحول إلى رؤية استراتيجية أوسع تتجاوز حدود اللوجستيات التقليدية. فتركيا ترى ضرورة تضمين هذا الشريان الاقتصادي الحيوي ممرات للطاقة والألياف الضوئية، ليصبح بذلك بوابة شاملة تربط القارات وتدعم الاقتصادات، وفقاً لما صرّح به نائب وزير النقل والبنية التحتية التركي، دورموش أونڤار.

هذا التصريح الذي أدلى به أونڤار على هامش قمة الأعمال العراقية بميناء الفاو، يكشف عن طموح تركي كبير لتحويل المشروع إلى شبكة ربط مذهلة. فبمجرد اكتماله، سيتيح هذا الطريق منظومة متكاملة من السكك الحديدية والطرق البرية، قادرة على وصل آسيا الوسطى والصين ودول الخليج بأوروبا، في رحلة اقتصادية تمر عبر الأراضي التركية.

شراكة استراتيجية ومسار حيوي

المشروع، الذي شهد توقيع اتفاقية رباعية بين العراق وتركيا وقطر والإمارات في أبريل 2024، يمثل نقطة تحول محورية للمنطقة. يبدأ هذا المسار الاستراتيجي من ميناء الفاو العملاق جنوبي العراق، ليعبر مدنًا عراقية حيوية مثل الديوانية والنجف وكربلاء وبغداد والموصل، قبل أن يقتحم الحدود التركية من قرية أوواكوي بولاية شرناق، متجهًا نحو ميناء مرسين المطل على البحر المتوسط، ومنه إلى قلب أوروبا.

بطول متوقع يبلغ 1200 كيلومتر من السكك الحديدية والطرق السريعة، وتكلفة استثمارية تقدر بـ 17 مليار دولار، يعد هذا المشروع قفزة نوعية للبنية التحتية الإقليمية. ويتوقع الخبراء أن يدر عائدات سنوية تصل إلى 4 مليارات دولار، مما يعكس الأهمية الاقتصادية الفائقة التي يحملها هذا الشريان الجديد للتجارة العالمية.

من جانبه، أكد أونڤار أن “طريق التنمية” سيساهم بشكل مباشر في خفض تكاليف الشحن وتقليص مدد النقل الزمنية، بالإضافة إلى تقليل عدد وسائط النقل المطلوبة. كما لفت إلى أن هذه المنظومة المتطورة ستكون حافزًا لنمو أنشطة صناعية وتجارية واسعة النطاق على طول مساره، لتتسع فوائده من العراق وتركيا إلى منطقة الخليج، بل وحتى يؤثر إيجابًا على نظام الشحن العالمي بأسره.

آمال عراقية في تنويع الاقتصاد

على الصعيد العراقي، تتجاوز الآمال في المشروع مجرد كونه طريقًا للنقل واللوجستيات. فالمتحدث الرسمي باسم وزارة النقل العراقية، ميثم الصافي، أوضح لـ “الشرق” أن “طريق التنمية” سيحول ميناء الفاو إلى منطقة جاذبة للاستثمارات الضخمة، تدعم جهود العراق في تنويع مصادر دخله وتقليص اعتماده على النفط كمصدر وحيد.

الرؤية العراقية للمشروع طموحة للغاية، حيث أشار الصافي إلى أن الميناء سيحتضن 15 منطقة صناعية متكاملة، ومن المتوقع أن يوفر نحو 100 ألف وظيفة مباشرة للمواطنين العراقيين، بالإضافة إلى 1.5 مليون فرصة عمل غير مباشرة. هذه الأرقام تعكس حجم الأثر الاجتماعي والاقتصادي المنتظر من المشروع على المدى الطويل.

المشروع يحظى باهتمام إقليمي وعالمي كبير، حيث شاركت شركات عالمية كبرى بالفعل في وضع تصاميمه الأولية. وذكر الصافي أن مرحلة التنفيذ الفعلي ستبدأ فور الانتهاء من الرسوم التفصيلية، مؤكدًا على الجدية والسرعة في إنجاز هذا الإنجاز التنموي الذي يشارك فيه، إلى جانب العراق وتركيا، كل من قطر والإمارات.

ومن المقرر أن تكتمل المرحلة الأولى من المشروع بحلول عام 2028، تليها المرحلة الثانية في 2033، وصولًا إلى المرحلة الثالثة والأخيرة في عام 2050، مما يؤكد على كونه مشروعًا استراتيجيًا طويل الأجل يحمل في طياته مستقبلًا واعدًا للمنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *