
بعد موسم استثنائي رفع سقف التوقعات، يجد النجم المصري محمد صلاح نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات، مع تراجع ملحوظ في أرقامه التهديفية وصناعة الأهداف خلال الجولات العشر الأولى من الدوري الإنجليزي الممتاز. هذا التراجع يطرح تساؤلات جدية حول مستوى “الفرعون” وتأثيره على مسيرة ليفربول، وهو ما يثير قلق الجماهير وعشاق كرة القدم على حد سواء.
في الموسم الماضي، وتحديدًا بعد أول عشر جولات، كان صلاح قد بصم على سبعة أهداف وخمس تمريرات حاسمة، ليقود فريقه لاحقًا نحو لقب الدوري بجدارة. أما في الموسم الجاري، فالصورة تبدو مختلفة تمامًا؛ حيث اكتفى بأربعة أهداف وتمريرتين حاسمتين فقط، بينما يعاني ليفربول ليحتل المركز الثالث بفارق سبع نقاط عن المتصدر أرسنال. هذا التباين اللافت يدعو للتأمل في الأسباب الكامنة وراء هذا التغير.
ليس غريبًا أن تطال صلاح انتقادات قاسية، ربما أكثر مما يواجهه المدرب أرني سلوت نفسه، فصلاح يظل الاسم الأبرز والأكثر تأثيرًا في تشكيلة ليفربول، وعليه تقع مسؤولية كبيرة في قيادة الفريق. يُرجّح مراقبون أن المستوى الخارق الذي قدمه اللاعب في الموسم الماضي، والذي وصفه بنفسه بأنه الأفضل في مسيرته، قد رفع سقف التوقعات إلى مستويات قياسية، مما جعل أي تراجع بسيط يبدو فادحًا في عيون الجماهير.
ما زاد من إحباط مشجعي “الريدز” هو تطلعاتهم لموسم استثنائي، خاصة بعد الإنفاق الكبير على تدعيم الصفوف بصفقات مدوية مثل ألكسندر إيزاك، ثاني هدافي الدوري بعد صلاح الموسم الماضي، والموهبة الألمانية فلوريان فيرتز. هذه الاستثمارات الضخمة كانت تهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية للفريق، لكن تراجع أداء نجمه الأول يلقي بظلاله على هذه الآمال، ويجعل البعض يتساءل عن مدى فعالية هذه الصفقات في ظل تراجع الأداء العام.
الأرقام تتحدث
يُقال دائمًا إن لغة الأرقام لا تكذب، وهي أداة لا غنى عنها لتقييم الأداء. ومع ذلك، يجب التأكيد أن الإحصائيات وحدها لا تروي القصة كاملة. فعلى سبيل المثال، في قمة ليفربول ضد مانشستر يونايتد، كان صلاح قريبًا جدًا من تسجيل تمريرتين حاسمتين لولا تدخل القائم الذي حرم كودي خاكبو من هدفين محققين بعد تسديدات قوية. هذا يذكرنا بأن كرة القدم مليئة بالتفاصيل الدقيقة التي قد لا تعكسها الأرقام المجردة.
مساهمة الأهداف
عند البحث في قائمة أكثر لاعبي مركز الجناح مساهمة في الأهداف بالدوري الإنجليزي هذا الموسم، نجد أن أنطونيو سيمينيو لاعب بورنموث يتصدر القائمة بتسعة أهداف (سجل ستة وصنع ثلاثة). يأتي صلاح مباشرة بعده بست مساهمات (أربعة أهداف وتمريرتان حاسمتان)، متقدمًا بهدف واحد على عدة لاعبين يُوصف بعضهم بـ”اللاعب المتألق”. هذا يضع أداء صلاح في سياقه الصحيح ضمن المنافسة الشرسة في البريميرليج.
أرقام الأجنحة
نظرة سريعة على أرقام أبرز لاعبي مركز الجناح في الدوري الإنجليزي بعد 10 جولات:
- محمد صلاح (ليفربول): 10 مباريات (894 دقيقة)، 4 أهداف، 2 صناعة.
- بوكايو ساكا (أرسنال): 8 مباريات (594 دقيقة)، 2 هدف، 0 صناعة.
- بريان مبيومو (مانشستر يونايتد): 10 مباريات (866 دقيقة)، 4 أهداف، 1 صناعة.
- أنطونيو سيمينيو (بورنموث): 10 مباريات (899 دقيقة)، 6 أهداف، 3 صناعة.
- محمد قدوس (توتنهام هوتسبير): 10 مباريات (878 دقيقة)، 1 هدف، 4 صناعة.
- جيريمي دوكو (مانشستر سيتي): 10 مباريات (549 دقيقة)، 0 هدف، 3 صناعة.
- بيدرو نيتو (تشيلسي): 10 مباريات (760 دقيقة)، 2 هدف، 2 صناعة.
- جاك غريليش (إيفرتون): 8 مباريات (646 دقيقة)، 1 هدف، 4 صناعة.
- يانكوبا مينتيه (برايتون): 10 مباريات (860 دقيقة)، 1 هدف، 3 صناعة.
- إسماعيلا سار (كريستال بالاس): 8 مباريات (704 دقائق)، 3 أهداف، 1 صناعة.
صناعة الفرص
فرص خطيرة
بعيدًا عن الأهداف وصناعتها المباشرة، تُعد صناعة الفرص الخطيرة مؤشرًا هامًا على فعالية اللاعب. في هذا الجانب، يتساوى ثلاثة لاعبين في صدارة الترتيب برصيد خمس فرص لكل منهم، وهم صلاح وزميله خاكبو ودوكو. هذا يشير إلى أن صلاح لا يزال يمتلك القدرة على خلق الخطورة، حتى لو لم تُترجم هذه الفرص دائمًا إلى أهداف أو تمريرات حاسمة، وهو ما يبعث على بعض التفاؤل.
إجمالي الفرص
أما إذا نظرنا إلى إجمالي الفرص المصنوعة (سواء كانت خطيرة أو عادية) من بين لاعبي مركز الجناح، فقد صنع صلاح 18 فرصة، متأخرًا بثلاث فرص فقط عن متصدر القائمة زميله كودي خاكبو. وصنع دوكو وغريليش 20 فرصة لكل منهما، مقابل 19 فرصة لبريان مبيومو. هذه الأرقام تؤكد أن صلاح لا يزال محركًا هجوميًا رئيسيًا، وأن تراجع أرقامه قد يكون جزءًا من تراجع جماعي أو سوء حظ في بعض الأحيان.
ما يمر به محمد صلاح ليس مجرد تراجع في الأرقام، بل هو انعكاس لتحديات أكبر يواجهها ليفربول ككل. فالفريق في مرحلة انتقالية تحت قيادة مدرب جديد، والانسجام الكامل يحتاج وقتًا. بحسب محللين كرويين، فإن الضغط النفسي الواقع على اللاعبين، خصوصًا النجوم الكبار، قد يؤثر على أدائهم. صلاح، كقائد وهداف، يشعر بثقل هذه المسؤولية، وهذا أمر طبيعي لأي لاعب بحجمه. إنها لحظات تختبر فيها صلابة اللاعب وقدرته على تجاوز الصعاب.
يُرجّح خبراء أن عودة صلاح لمستواه المعهود مرتبطة بتحسن أداء الفريق ككل، وتكيف اللاعبين الجدد مع أسلوب المدرب. كما أن المنافسة الشرسة في الدوري الإنجليزي لا ترحم، وتتطلب أقصى درجات التركيز والفعالية. يبقى السؤال: هل يستطيع صلاح قيادة ليفربول لتجاوز هذه المرحلة، أم أن هذا التراجع سيستمر ليؤثر على طموحات “الريدز” في المنافسة على الألقاب؟
في الختام، ورغم تراجع أرقام محمد صلاح مقارنة بموسمه السابق، إلا أن نظرة تحليلية معمقة تكشف أنه لا يزال لاعبًا محوريًا في صناعة الفرص، وأن مساهماته لا تقتصر على الأهداف والتمريرات الحاسمة المباشرة. التحدي الأكبر يكمن في استعادة الثقة وتجاوز الضغوط، ليس فقط لصلاح بل لليفربول بأكمله، فمستقبل الفريق في هذا الموسم يعتمد بشكل كبير على قدرة نجمه الأول على العودة للتوهج، وهو ما ينتظره الملايين حول العالم بشغف.









