صعود بتكوين يثير الجدل: ملاذ آمن جديد أم أصل للمضاربة؟
مع اقترابها من قمم تاريخية، خبراء يحللون مستقبل العملة المشفرة الأكبر في ظل التدفقات المؤسسية وسياسات ترمب الاقتصادية.

مع تحليق سعر بتكوين بالقرب من مستويات قياسية جديدة، انقسم الخبراء والمستثمرون حول هوية العملة الرقمية الأكبر؛ فهل تحولت إلى ‘ملاذ آمن’ ينافس الذهب، أم لا تزال مجرد أصل محفوف بمخاطر المضاربة؟ يتزامن هذا الجدل مع تغيرات هيكلية عميقة في السوق، تقودها المؤسسات الاستثمارية الكبرى وتؤثر فيها سياسات اقتصادية عالمية متقلبة.
هذا التحول في النظرة إلى بتكوين لم يأتِ من فراغ، بل جاء مدفوعًا بتدفقات استثمارية ضخمة من لاعبين كبار في وول ستريت، إلى جانب إطلاق صناديق المؤشرات المتداولة التي سهّلت دخول رؤوس الأموال التقليدية. وقد ارتفعت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المشفرة إلى حوالي 2.2 تريليون دولار، صعودًا من 1.3 تريليون دولار قبل عام، وفقًا لبيانات موقع كوين ماركت كاب، مما يرسخ مكانة الأصول الرقمية كقوة لا يمكن تجاهلها في المشهد المالي العالمي.
تدفقات مؤسسية تغير المعادلة
يرى قطاع واسع من المحللين أن بتكوين لا تزال في مراحلها الأولى نسبيًا وستبقى مهيمنة لسنوات قادمة، رغم ظهور آلاف العملات البديلة. ويدعم هذا الرأي مارك كونورز، الرئيس التنفيذي لشركة “ريسك دايمنشنز”، الذي يصف بتكوين بـ”ملكة الأصول الرقمية”، متوقعًا أن يستمر مسارها الصاعد ليصل سعرها إلى 180 ألف دولار قبل نهاية العام، وناصحًا المستثمرين الأفراد بحيازتها باعتبارها الخيار الأكثر أمانًا ولا مركزية.
تستند هذه النظرة المتفائلة إلى عوامل قوية، أبرزها التدفقات المؤسسية غير المسبوقة، حيث جذبت صناديق بتكوين المتداولة في الولايات المتحدة أكثر من 18 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025. كما ساهمت سياسة التيسير النقدي التي اتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي، عبر خفض الفائدة لأدنى مستوى في ثلاث سنوات، في زيادة شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر مثل العملات المشفرة.
بين الملاذ الآمن والمضاربة
السؤال المحوري يبقى حول طبيعة بتكوين الحقيقية: هل هي أداة تحوط أم أصل للمضاربة؟ يرى إيلان سولوت، الخبير الاستراتيجي في “ماريكس سوليوشنز”، أن الصعود الأخير مدفوع بتدفقات استثمارية حقيقية إلى الصناديق، مما يشير إلى اقتراب العملة من مرحلة النضج كأصل استثماري. هذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الأموال التي تدخل السوق الآن تأتي بهدف الاستثمار طويل الأجل وليس المضاربة قصيرة المدى.
على الجانب الآخر، يؤكد باتريك بوش، المحلل في “فان إيك”، أن بتكوين أصبحت أداة تحوط فعالة ضد ضعف الدولار والأزمات المالية في واشنطن. فعندما تلوح في الأفق أزمات مثل سقف الديون أو الإغلاق الحكومي، يزداد الإقبال عليها كملاذ بديل. ورغم ذلك، لا يمكن إغفال أن تقلباتها السعرية الحادة لا تزال قائمة، مما يبقي على عنصر المخاطرة والمضاربة حاضرًا بقوة في تحديد قيمتها السوقية.
تأثير سياسات ترمب
لعب فوز الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بسياساته الاقتصادية دورًا غير مباشر في تعزيز مكانة بتكوين. يرى تشارلز دوسي، الرئيس التنفيذي لـ”دي واي دي إكس فاونديشن”، أن إدارة ترمب خلقت بيئة مثالية لازدهار العملات المشفرة، حيث أدت سياساته المؤيدة للقطاع والرسوم الجمركية الجديدة إلى تضخيم حالة عدم اليقين العالمي، مما جعل بتكوين خيارًا جذابًا للتحوط من التضخم المتوقع.
في المقابل، يقدم نور الدين مفيد الحموري، كبير استراتيجيي الأسواق في “سكويرد فاينانشال”، رؤية أكثر توازنًا. فهو يرى أن سياسات ترمب وتعيين شخصيات مؤيدة للكريبتو عزز الزخم الإيجابي، لكن حروبه التجارية رفعت منسوب المخاطر العالمية، وهو ما دفع المستثمرين للبحث عن أدوات تحوط استراتيجية ضد التقلبات السياسية والاقتصادية، وكانت بتكوين أحد أبرز هذه الأدوات.
من يسيطر على سوق بتكوين؟
كشفت بيانات منصة “كوين غيكو” أن المؤسسات والحكومات تمتلك مجتمعة ما يقرب من 1.65 مليون وحدة بتكوين، بقيمة إجمالية تناهز 182 مليار دولار، أي ما يعادل 7.85% من إجمالي المعروض العالمي. وتتصدر الشركات الأمريكية القائمة، تليها حكومات الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة، مما يعكس تحولًا كبيرًا نحو التبني المؤسسي والرسمي للعملة المشفرة.
تتربع شركة “مايكرو استراتيجي” الأمريكية على عرش أكبر حائزي بتكوين في العالم، بإجمالي حيازات تتجاوز قيمتها 70 مليار دولار. وعلى الصعيد العربي، تحتل الإمارات العربية المتحدة المركز الأول بحيازة 6333 وحدة بقيمة تقارب 700 مليون دولار، مما يضعها في المرتبة العشرين عالميًا. هذا التوزيع يوضح أن القرار الاستثماري لم يعد مقتصرًا على الأفراد، بل امتد ليشمل أكبر الشركات والحكومات.
نظرة على المستقبل
تشير معظم التوقعات إلى استمرار المسار الصاعد لبتكوين حتى نهاية 2025، مدعومة بسياسات التيسير النقدي والتدفقات القياسية إلى الصناديق المتداولة، حيث يرجح محللون وصول السعر إلى 200 ألف دولار. ومع ذلك، تبقى المخاطر التنظيمية واحتمالية عودة الفيدرالي لتشديد سياسته النقدية أبرز التحديات. لكن الأساسيات القوية والتبني المؤسسي المتزايد يمنحان بتكوين مرونة أكبر لتجاوز الصدمات المستقبلية، وترسيخ مكانتها كأصل رقمي رائد في النظام المالي العالمي الجديد.








