تثير تقارير حديثة قلقاً واسعاً بشأن تزايد نفوذ مجموعة من رجال الأعمال الأثرياء، المرتبطين بالشبكة السياسية للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، على كل من التقنيات التي تجمع البيانات الشخصية ومنصات الإعلام التي تشكل الرأي العام.
وتبرز صفقة استحواذ كونسورتيوم مستثمرين أمريكيين، يضم لاري إليسون المؤسس المشارك لشركة أوراكل، والملياردير التقني مايكل ديل، والمدير التنفيذي لقطاع الإعلام لاكلان مردوخ، على حصة الأغلبية في عمليات تيك توك بالولايات المتحدة، كنقطة محورية في هذه النقاشات.
وقد أدت هذه الصفقة، التي تمت بوساطة وتوجيه من الرئيس ترامب، إلى خفض ملكية شركة بايت دانس (ByteDance) لوحدة تيك توك الأمريكية إلى أقل من 20%، مما مكن المستثمرين الأمريكيين من التحكم في البيانات، والأمن السيبراني، وخوارزمية التوصيات لواحدة من أكثر منصات التواصل الاجتماعي استخداماً في البلاد.
وفي سياق متصل بمنصات التكنولوجيا والتحكم في البيانات، نادراً ما تخضع شركات التكنولوجيا العملاقة، التي تتحكم في الجزء الأكبر من البيانات الشخصية للأمريكيين، لسيطرة خاصة من قبل فصيل سياسي واحد. فعلى سبيل المثال، تمتلك شركة ميتا بلاتفورمز (Meta Platforms) خدمات التواصل الاجتماعي فيسبوك وإنستغرام وتطبيق واتساب للمراسلة. وتعد ميتا شركة مدرجة في البورصة، حيث يمتلك مؤسسها مارك زوكربيرغ حصة أسهم تبلغ 13.6% ويتحكم في حقوق التصويت، بينما تعد شركات مثل فانغارد وفيدلتي من بين أكبر مساهميها المؤسسيين.
على النقيض، يمتلك الرئيس ترامب شخصياً حصة الأغلبية في مجموعة ترامب للإعلام والتكنولوجيا (TMTG)، المالكة لشبكة تروث سوشيال (Truth Social) للتواصل الاجتماعي التي أنشأها. ويبلغ عدد مستخدمي هذه المنصة حوالي 6.3 مليون مستخدم شهرياً، وتُسوق نفسها كبديل للشبكات الرئيسية.
وتظل المنصات الرائدة مثل يوتيوب وفيسبوك مهيمنة عبر الفئات العمرية المختلفة. فقد أظهر مسح أُجري عام 2025 أن يوتيوب هو منصة التواصل الاجتماعي الأكثر استخداماً في الولايات المتحدة بنسبة 84%، مع احتلال فيسبوك وإنستغرام مراتب متقدمة أيضاً. بينما جاءت تيك توك وإكس ضمن الخدمات متوسطة الانتشار.
وكان كل من الجمهوريين والديمقراطيين قد أثاروا في السابق مخاوف تتعلق بالأمن القومي بشأن ملكية تيك توك الصينية. إلا أن الهيكل الذي تفاوضت عليه إدارة ترامب قد أثار استياء بعض نشطاء الخصوصية، الذين يرون أن نقل السيطرة إلى مستثمرين أمريكيين من الشركات يطرح تساؤلات مختلفة، لكنها لا تقل أهمية، حول كيفية إدارة بيانات المستخدمين والخوارزميات.
وقد أشار منتقدون، بينهم السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن، إلى أن تضافر المصالح الأجنبية والمحلية قد يعود بالنفع على المشاريع التجارية المرتبطة بترامب، مع إعادة تشكيل النظام البيئي للمعلومات الرقمية في الوقت ذاته.
وتكتسب ملكية هذه المنصات أهمية بالغة نظراً لقدرتها على جمع كميات هائلة من البيانات السلوكية — مثل عمليات البحث التي يجريها المستخدمون، والروابط التي ينشئونها، وكيفية تفاعلهم مع المحتوى — وهو ما يغذي بدوره الإعلانات المستهدفة والتوصيات الخوارزمية التي تحفز التفاعل اليومي.
وبعيداً عن منصات التواصل الاجتماعي، برزت ملكية وسائل الإعلام التقليدية كقضية محورية في النقاشات حول النفوذ والخطاب العام. تمتلك شركة نيوز كورب (News Corp) التابعة لروبرت مردوخ صحفاً وطنية كبرى مثل وول ستريت جورنال ونيويورك بوست، كما تتحكم عائلته أيضاً في شبكة فوكس نيوز (Fox News) عبر شركة فوكس كوربوريشن (Fox Corporation). ورغم أن هذه المنافذ تعمل باستقلالية تحريرية، إلا أن قيادتها ونطاق انتشارها يضعانها في صميم النقاشات السياسية الوطنية.
ويتولى لاكلان مردوخ، نجل روبرت، رئاسة كل من نيوز كورب وفوكس كورب. وقد وضعه دوره هذا في قلب كونسورتيوم مستثمري تيك توك المقترح، وهو تطور ناقشه الرئيس ترامب علناً، على الرغم من أن الاستثمار سيتم عبر كيانات اعتبارية وليس حصصاً شخصية.
وتمتد المخاوف المثارة لتشمل البنية التحتية للأخبار التلفزيونية. فمجموعة سنكلير برودكاست (Sinclair Broadcast Group)، التي تعد منذ فترة طويلة واحدة من أكبر مالكي محطات التلفزيون المحلية في الولايات المتحدة، تتحكم في حوالي 185 محطة تلفزيونية عبر 85 سوقاً. تبث هذه المحطات الأخبار المحلية والوطنية، وقد واجهت تدقيقاً بشأن توجهاتها التحريرية وميولها السياسية المتصورة، رغم أن المديرين التنفيذيين في سنكلير يجادلون بأن تغطيتهم تلبي احتياجات المجتمع.
وتُعد محطات البث المحلية مصادر حيوية للصحافة المجتمعية. وتشير أبحاث نُشرت عام 2025 إلى أن المحطات التي تستحوذ عليها سنكلير تشهد زيادة في التغطية الوطنية والسياسية على حساب التقارير المحلية، وهو تحول يمكن أن يكون له آثار عميقة على كيفية فهم المواطنين لعالمهم المباشر.
وفي خضم هذا الجدل حول تركيز النفوذ، بينما يرى مؤيدو الاندماج أن التوافق الأكبر في ملكية وسائل الإعلام والتكنولوجيا يمكن أن يعزز الابتكار والاستثمار والقدرة التنافسية الوطنية، يحذر المنتقدون من مخاطر تركيز النفوذ، خاصة عندما تتقاطع مجالس إدارات الشركات والعلاقات الشخصية بشكل وثيق مع القيادة السياسية.
ويشير خبراء القانون إلى أن القانون الأمريكي لمكافحة الاحتكار كان يهدف تاريخياً إلى منع التركيز المفرط للقوة الاقتصادية والمعلوماتية. وتُظهر الإجراءات التشريعية والتنظيمية الأخيرة، بما في ذلك تدخل إدارة ترامب في ملكية تيك توك، كيف تتشابك الأهداف السياسية والتجارية بشكل متزايد، مما يثير تساؤلات معقدة حول حرية التعبير والخصوصية والمساءلة الديمقراطية.
ومع تزايد تركز السلطة على البيانات والأخبار في أيدي عدد أقل من الجهات، فإن النقاشات التي تشكل آفاق المعلومات في أمريكا لا تزال في بدايتها.
