سوفت بنك تبيع إنفيديا.. هل تنفجر فقاعة الذكاء؟
مجموعة "سوفت بنك" تبيع حصتها الكاملة في "إنفيديا" لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي وسط مخاوف السوق من تقييمات التكنولوجيا.

تراجعت أسهم مجموعة “سوفت بنك” اليابانية بقوة، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة، بعد إعلانها بيع كامل حصتها في عملاق الرقائق “إنفيديا”. هذا القرار، الذي جاء لتمويل استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، ألقى بظلاله على الأسواق، معيدًا إلى الواجهة مخاوف المستثمرين المتزايدة بشأن تقييمات شركات التكنولوجيا المرتفعة.
تراجع حاد
شهدت أسهم “سوفت بنك” انخفاضًا وصل إلى 10% في بورصة طوكيو، مسجلة أدنى مستوى لها في شهر، وذلك بعد الكشف عن بيع حصتها الكاملة في “إنفيديا” مقابل 5.83 مليار دولار. ورغم أن الشركة أعلنت عن نتائج فصلية فاقت التوقعات وتقسيم للأسهم بنسبة 4 مقابل 1، إلا أن قرار التصفية هذا بدا وكأنه رسالة قوية للسوق، ربما لم تكن مقصودة تمامًا.
فقاعة الذكاء؟
يتزامن خروج “سوفت بنك” من “إنفيديا” مع جدل محتدم حول ما إذا كان الإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي، والذي يُتوقع أن يتجاوز تريليون دولار من عمالقة مثل “ميتا بلاتفورمز” و“ألفابت”، سيحقق عوائد متناسبة. يُرجّح مراقبون أن المستثمرين بدأوا يشككون في حجم الأموال المتدفقة نحو قطاع لا تزال توقعاته غير مؤكدة تمامًا، خاصة بعد المكاسب الفلكية التي حققتها الشركات الرائدة في هذا السباق.
ولم يكن تأثير القرار مقتصرًا على “سوفت بنك”؛ إذ تراجعت أسهم “إنفيديا” نفسها في جلسة التداول الأميركية بنسبة 3.9%، بعد أن كانت قد حققت ارتفاعًا مذهلاً بنسبة 48% منذ بداية العام. هذه التقلبات تعكس حساسية السوق لأي إشارة قد توحي بتغير في مسار النمو المتسارع.
رؤية سون
يواصل مؤسس “سوفت بنك”، ماسايوشي سون، تصفية عدد من استثماراته لتمويل مشاريع ضخمة في الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز بيانات “ستارغيت” التي يُطوّرها بالشراكة مع “أوبن إيه آي” و“أوراكل كورب”. ويبدو أن سون، المعروف بجرأته ورؤيته المستقبلية، يرى أن الوقت قد حان للانتقال من مجرد الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي إلى بناء البنية التحتية الأساسية له، في خطوة لا تخلو من دلالات عميقة حول قناعته بمسار القطاع.
بحسب محللين اقتصاديين، فإن قيمة “سوفت بنك” تتقلب بشكل كبير وفقًا لتقييم السوق لاستثماراتها. وفي هذا السياق، كتب المحلل في “سيتي غروب” كييتشي يونيشيما في مذكرة بحثية: “نتوقع أن تكون الأسهم شديدة التذبذب في المستقبل. لكن مع توسّع صافي قيمة الأصول، نعتقد أن المستثمرين سيعودون للاهتمام بالسهم”. تلك الرؤية الطموحة تسعى لجعل الشركة لاعبًا محوريًا في منظومة الذكاء الاصطناعي المتنامية، مستفيدة من حصصها في شركات رئيسية مثل “أوبن إيه آي” ومصمّم الرقائق الأميركي “أمبير كومبيوتنغ”.
تجنب الإجابة
خلال مؤتمر الأرباح، تجنّب التنفيذيون في “سوفت بنك” الإجابة عن تساؤلات مباشرة حول احتمال وجود فقاعة استثمارية في قطاع الذكاء الاصطناعي. وأكدوا أن عملية البيع لا علاقة لها بـ“إنفيديا” نفسها، بل كانت خطوة تمويلية ضرورية لضخ السيولة في مشاريعهم الجديدة. وقال المدير المالي يوشيميتسو غوتو بصراحة: “لا يمكنني الجزم إن كنا في فقاعة ذكاء اصطناعي أم لا. لقد بعنا حصة ’إنفيديا‘ لكي نستخدم رأس المال في تمويل عملياتنا”.
لكن السوق، بطبيعته الحذرة، يميل إلى قراءة ما بين السطور. فقرار بيع حصة في شركة حققت مكاسب هائلة، حتى لو كان لتمويل استثمارات أخرى، قد يُفسر على أنه إشارة إلى أن القمة قد تكون قريبة، أو على الأقل أن هناك حاجة لإعادة تقييم المخاطر والعوائد في هذا القطاع المتسارع.
تاريخ استثماري
تجدر الإشارة إلى أن “سوفت بنك” كانت قد باعت كامل حصتها في “إنفيديا” عام 2019، قبل أن تعود لشراء حصص صغيرة عام 2020، أي قبل عامين من إطلاق “تشات جي بي تي” الذي أشعل موجة صعود تاريخية لأسهم الذكاء الاصطناعي. وكشفت الشركة أنها رفعت حصتها في “إنفيديا” إلى نحو 3 مليارات دولار بحلول نهاية مارس الماضي، ومنذ ذلك الحين، أضافت “إنفيديا” أكثر من تريليوني دولار إلى قيمتها السوقية، في مشهد يعكس التقلبات الهائلة التي يمكن أن يشهدها هذا السوق.
هذا الصعود، إلى جانب استثمار “سوفت بنك” في “أوبن إيه آي”، ساهم في دعم أرباح الشركة القوية، فقد أعلنت تحقيق صافي دخل مفاجئ قدره 2.5 تريليون ين (16.2 مليار دولار) في الربع المالي الثاني، متجاوزة متوسط توقعات المحللين بشكل كبير. وأكد غوتو أن قيمة “أوبن إيه آي” وحدها ارتفعت بمقدار 14.6 مليار دولار منذ استثمار “سوفت بنك” فيها، ما يبرز أن استراتيجية الشركة ليست مجرد تصفية، بل إعادة توجيه ذكية لرأس المال.
في الختام، يمثل قرار “سوفت بنك” ببيع حصتها في “إنفيديا” نقطة تحول محتملة في استراتيجية الشركة، وربما إشارة للسوق الأوسع. فبينما تسعى المجموعة اليابانية لتمويل رؤيتها الطموحة في بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي، فإن هذه الخطوة تضعها في قلب الجدل الدائر حول مدى استدامة تقييمات شركات التكنولوجيا، وتؤكد على أن عالم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يزال يحمل في طياته الكثير من الفرص، والمخاطر، والتحولات المفاجئة.









