الأخبار

سد النهضة يصنع فيضاناً مفتعلاً.. كيف حولت إثيوبيا مياه النيل إلى أداة سياسية تهدد مصر والسودان؟

صحفي ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة الأخبار المحلية والتغطيات الميدانية

في قلب أزمة ممتدة، لم يعد فيضان النيل ظاهرة طبيعية فحسب، بل تحول إلى فصل جديد في دراما سياسية بطلها سد النهضة الإثيوبي. فمع كل تصرف أحادي من أديس أبابا، يتحول شريان الحياة لملايين البشر في دول المصب إلى ورقة ضغط، وتهديد مباشر لأمنهم واستقرارهم، وهو ما كشفته بوضوح الإدارة العشوائية للفيضان هذا العام.

استعراض سياسي على حساب أرواح الأبرياء

أصدرت وزارة الموارد المائية والري المصرية بياناً يرسم صورة قاتمة لممارسات إثيوبية تفتقر لأبسط قواعد المسؤولية، وتكشف زيف الادعاءات المتكررة بعدم الإضرار بدول الجوار. فبينما كان من المفترض أن تبدأ عملية تخزين المياه بشكل تدريجي ومنظم مع بداية موسم الفيضان في يوليو، اختارت إدارة السد طريقاً آخر محفوفاً بالمخاطر.

ففي نهاية أغسطس، وبشكل مفاجئ، قام مشغلو السد بتخزين كميات هائلة من المياه، مع خفض التصريفات بشكل حاد من 280 مليون متر مكعب إلى 110 ملايين فقط يوم 8 سبتمبر 2025. لم يكن الهدف فنياً، بل سياسياً بحتاً؛ الوصول إلى منسوب 640 متر فوق سطح البحر بأي ثمن، ليتسنى لهم فتح المفيضات لساعات معدودة كـ”لقطة إعلامية” في احتفال سياسي يوم 9 سبتمبر، دون أي اعتبار لسلامة السد أو مصالح دول المصب.

فيضان مفتعل يضرب السودان

لم يكد يمضِ يوم على الاحتفال المزعوم، حتى انقلب المشهد رأساً على عقب. ففي 10 سبتمبر، تم تصريف كميات مياه ضخمة بلغت 485 مليون متر مكعب في يوم واحد، وتصاعدت بشكل جنوني لتصل إلى 780 مليون متر مكعب يوم 27 سبتمبر. هذه الإدارة الفوضوية، التي أدت لانخفاض منسوب بحيرة السد بنحو متر كامل (ما يعادل 2 مليار متر مكعب)، خلقت “فيضاناً صناعياً مفتعلاً” في توقيت غير متوقع.

تلاقت هذه الموجة المائية الهائلة مع أمطار غزيرة في السودان وارتفاع إيراد النيل الأبيض، لتكون النتيجة كارثية. غرقت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وقرى بأكملها في السودان الشقيق، وهو ما أكدته تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، ليجد مشغلو سد الروصيرص السوداني أنفسهم في مواجهة طوفان لم يكن أمامهم خيار سوى تمريره للحفاظ على سلامة سدهم.

مصر والسد العالي: إدارة الأزمة في مواجهة العبث الإثيوبي

في القاهرة، كانت الأعين لا تنام. تتابع وزارة الموارد المائية الموقف على مدار الساعة، معتمدة على نماذج رياضية متطورة وبيانات لحظية من أعالي النيل. هذه المتابعة الدقيقة هي التي تسمح بإدارة الموقف المائي بحكمة، سواء بزيادة التصريفات في الصيف لتلبية الاحتياجات الزراعية، أو تخزينها وقت الفيضان، أو خفضها في السدة الشتوية.

لقد حذرت مصر مراراً من أن وجود سد بهذا الحجم، بسعة 74 مليار متر مكعب، دون اتفاق قانوني ملزم وقواعد تشغيل واضحة، يمثل خطراً وجودياً. فالإدارة العشوائية التي شهدها العالم هذا العام، والتي تنتهك أبسط مبادئ القانون الدولي المنظم للأنهار المشتركة، تؤكد أن الخطر قائم ومستمر في فترات الفيضان والجفاف على حد سواء.

حقيقة “غرق المحافظات” وقصة التعديات على النيل

انطلاقاً من التحسب لهذه السيناريوهات، اتخذت الدولة المصرية إجراءات استباقية، حيث خاطبت المحافظين في 7 سبتمبر لتنبيه المواطنين بضرورة الحذر، خاصة أصحاب الزراعات المقامة على “أراضي طرح النهر”. وهذه نقطة جوهرية، فما يتم تداوله عن “غرق المحافظات” هو محض تضليل، فالأمر يقتصر على غمر هذه الأراضي التي هي جزء طبيعي من مجرى النهر، والتي تم التعدي عليها بالبناء أو الزراعة بالمخالفة للقانون.

  • أراضي طرح النهر: هي السهل الفيضي الطبيعي للنيل، وهي معرضة بطبيعتها للغمر عند زيادة المناسيب.
  • التعديات: تقلص القدرة التصريفية للنهر وتهدد بوصول المياه لملايين المزارعين في نهايات الترع.
  • جهود الدولة: تقوم الدولة سنوياً بتحذير المواطنين، ورغم ذلك تبذل جهوداً مكلفة لحماية زراعات وممتلكات المخالفين، انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه أبناء الوطن.

وفي النهاية، تطمئن وزارة الموارد المائية والري المواطنين بأن الأمن المائي المصري في أيدٍ أمينة. فالسد العالي يقف كحصن منيع قادر على استيعاب الصدمات وحماية مصر من تقلبات النيل والفيضانات المفاجئة، وتتم إدارة مواردنا المائية بكفاءة ودراسة تضمن تلبية كافة الاحتياجات وحماية الأرواح والممتلكات في مواجهة أي تصرفات غير مسؤولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *