اقتصاد

ريادة السعودية للطاقة: طموح عالمي بتكلفة لا تُنافس

السعودية تقود سباق الطاقة النظيفة عالميًا

في خضم سباق عالمي محموم نحو مصادر الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة، تبرز المملكة العربية السعودية برؤية طموحة لا تكتفي بالمواكبة، بل تسعى للريادة. تصريحات محمد أبو نيان، رئيس شركة “أكوا باور” السعودية، من واشنطن، لم تكن مجرد أرقام، بل كشفت عن استراتيجية عميقة تهدف لوضع المملكة في صدارة المشهد العالمي للطاقة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على تحقيق هذه القفزة النوعية.

أكد أبو نيان أن الطاقة الكهربائية تشكل 60% من احتياجات تطوير الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وهو رقم يعكس حجم الطلب المتزايد في العصر الرقمي. وهنا، تكمن ميزة السعودية التفضيلية، حيث تُعد تكلفة إنتاج الكهرباء في المملكة الأرخص عالمياً. هذه الميزة ليست مجرد عامل اقتصادي، بل هي حجر زاوية في استراتيجية جذب الاستثمارات الضخمة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة المستدامة وبتكلفة معقولة.

هيدروجين أخضر

لم يقتصر الطموح على الكهرباء، فالمملكة، بحسب أبو نيان، ستكون المنتج الأكثر تنافسية والأقل تكلفة في العالم للهيدروجين الأخضر أيضاً. هذه الرؤية تتسق مع التوجهات العالمية نحو اقتصاد خالٍ من الكربون، وتضع السعودية في موقع استراتيجي لتلبية الطلب المتنامي على هذا الوقود المستقبلي، مما يعزز من مكانتها كقوة طاقوية لا تعتمد فقط على النفط، بل على مزيج متنوع ومستدام.

قيادة التصدير

ما يلفت الانتباه هو تأكيد رئيس “أكوا باور” على أن السعودية “ستقود تصدير الطاقة الجديدة إلى العالم”، مشيراً إلى أن أفضليتها في إنتاج كهرباء رخيصة لا يمكن لأي دولة أخرى مجاراتها، حتى الصين. هذا التصريح يحمل دلالات كبيرة حول نية المملكة في التحول من مصدر رئيسي للطاقة التقليدية إلى لاعب عالمي مؤثر في سوق الطاقة المتجددة، وهو ما قد يعيد تشكيل خرائط الطاقة العالمية.

سباق البطاريات

تأتي هذه التصريحات في سياق رؤية حكومية واضحة، حيث كان وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان قد صرح في أكتوبر الماضي بأن المملكة تستهدف تجاوز الصين في سباق خفض تكاليف تخزين الطاقة بالبطاريات العام المقبل. هذا الهدف الطموح يعكس إدراكًا لأهمية التخزين كعنصر حاسم في استقرار شبكات الطاقة المتجددة، ويُرجّح مراقبون أن تحقيق هذا الهدف سيمنح السعودية ميزة تنافسية فريدة.

تكلفة تنافسية

للتأكيد على هذه الميزة، أشار وزير الطاقة إلى أن تكلفة المشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات تبلغ حوالي 409 دولارات لكل كيلوواط في السعودية، أي أقل بنسبة 77% مُقارنة بألمانيا، بينما تقترب من الصين التي تصل تكلفتها إلى 404 دولارات. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي مؤشرات قوية على قدرة المملكة على تقديم حلول طاقوية بتكلفة لا تُضاهى، مما يجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات في هذا القطاع الحيوي.

لا يمكن فصل هذه التصريحات عن سياقها الأوسع؛ فهي تتزامن مع زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، وتعهد المملكة بضخ استثمارات تصل إلى تريليون دولار في السوق الأميركية، بالإضافة إلى تكثيف استثماراتها في قطاعات الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة. يبدو أن المملكة عازمة على ربط طموحاتها المحلية بالتحالفات الدولية، مستفيدة من قدراتها الاقتصادية الهائلة لتحقيق أهداف رؤية 2030، وهو ما يمثل نقلة نوعية في استراتيجيتها التنموية.

في الختام، تُظهر تصريحات رئيس “أكوا باور” ووزير الطاقة السعودي أن المملكة لا تكتفي بكونها قوة نفطية، بل تسعى لتكون مركزاً عالمياً للطاقة الجديدة. هذه الاستراتيجية الطموحة، المدعومة بمقومات طبيعية واقتصادية فريدة، لا تعد بفوائد اقتصادية للمملكة فحسب، بل يمكن أن تسهم بشكل كبير في تسريع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، مما يعزز من دورها كلاعب محوري في مستقبل الطاقة العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *