ترامب يمنح طهران “مهلة الأيام العشرة”: نذر مواجهة في الخليج وأزمة ثقة تلاحق سيد البيت الأبيض

النفط يتجاوز 110 دولارات وانهيار في شعبية ترامب تزامناً مع تصعيد عسكري في الخليج

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

في خطوة تعكس حالة من الترقب المشوب بالحذر، اختار دونالد ترامب منصته المفضلة “تروث سوشيال” ليعلن عن تمديد المهلة الممنوحة لإيران لعشرة أيام إضافية. هذا التمديد جاء بعد ساعات قليلة من نبرة تصعيدية هدد فيها بشن ضربات عسكرية جديدة، ما لم يقدم نظام الملالي “حججاً مقنعة” لثنيه عن هذا المسار التصادمي.

المفارقة هنا تكمن في التناقض الصارخ بين هذا الوعيد وبين مسودة الاتفاق المكونة من 15 نقطة، والتي قيل إن المفاوض ستيف ويتكوف سلمها للجانب الإيراني عبر الوساطة الباكستانية، ما يطرح تساؤلات حول وحدة الموقف داخل الإدارة الأمريكية.

إنه مشهد سياسي مربك؛ فمن غير المعتاد أن تجد طرفاً يبدو وكأنه “يستجدي” اتفاقاً ويطالب الطرف الآخر بإثبات جدارته به، بينما هو نفسه من بادر بطرح العرض عبر قنوات خلفية ووسطاء دوليين.

ورغم الضغوط التي مارسها ترامب، والتي وصلت حد إلزام إسرائيل برفع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي -كبير المفاوضين في جنيف- من قائمة أهدافها العسكرية، إلا أن الجمود لا يزال سيد الموقف، وكأننا لا نزال في المربع الأول الذي كنا عليه مطلع الأسبوع.

وعلى الصعيد الميداني، لا توجد مؤشرات علنية توحي بأن الاغتيالات الإسرائيلية الأخيرة التي طالت قيادات رفيعة في الحرس الثوري، ومن بينهم قائد القوات البحرية علي رضا تنكسيري المسؤول عن ملف مضيق هرمز الاستراتيجي، قد نجحت في تليين موقف طهران أو دفعها للقبول بشروط ترامب.

بل على العكس، وجه النظام الإيراني ما يمكن وصفه بـ “الضربة السياسية تحت الحزام”، حين أبلغ الجانب الباكستاني برغبته في التفاوض المباشر مع نائب الرئيس جي دي فانس، مستبعداً بذلك ويتكوف أو حتى جاريد كوشنر، صهر الرئيس ومستشاره السابق.

هذا المطلب الإيراني يحمل دلالات عميقة، خاصة وأن فانس متوارٍ عن الأنظار منذ نهاية فبراير الماضي، ويُعرف عنه تبنيه لنهج انعزالي صارم يرفض التدخلات العسكرية الخارجية، لاسيما تلك التي تتطلب وجوداً برياً للقوات الأمريكية.

ومع ذلك، فإن التحركات العسكرية على الأرض تشي بسيناريو مغاير؛ فانتشار وحدتين برمائيتين من مشاة البحرية (المارينز) بقرابة 5 آلاف جندي، واستعدادهم لاقتحام جزر استراتيجية في الخليج مثل “خارك” و”لارك” و”أبو موسى” للسيطرة على مضيق هرمز -وفقاً لتقارير موقع أكسيوس- بالإضافة إلى تعزيزات من المظليين، كلها مؤشرات تؤكد أن خيار الهجوم البري لا يزال مطروحاً بقوة على طاولة البيت الأبيض.

من جانبها، تتعامل إيران مع هذه التحركات بريبة كاملة، معتبرة أن الحديث عن المفاوضات ليس سوى مناورة تكتيكية من واشنطن لكسب الوقت وامتصاص غضب الأسواق العالمية المتوترة.

ومع اقتراب الساعة الصفر لنهاية المهلة الأصلية يوم الخميس، بدأت ملامح القلق تظهر بوضوح ليس فقط في أروقة البورصات، بل وفي أوساط الرأي العام الأمريكي الذي بدأ يتململ من تداعيات الأزمة.

لقد قفز سعر برميل خام برنت ليلامس حاجز الـ 110 دولارات خلال ساعات النهار، قبل أن يتراجع قليلاً عقب إعلان الرئيس عن تمديد المهلة، في إشارة واضحة لارتباط استقرار الطاقة بالقرار السياسي.

وبالمقارنة، نجد أن أسعار النفط كانت عند مستوى 73 دولاراً قبيل اندلاع شرارة المواجهة، وظلت فوق حاجز الـ 100 دولار لثلاثة عشر يوماً من الأيام الأربعة عشر الأخيرة، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ بداية الحرب الأوكرانية.

هذا الاضطراب في قطاع الطاقة ألقى بظلاله القاتمة على وول ستريت، حيث سجل مؤشر “داو جونز” تراجعاً لافتاً بنحو سبع نقاط.

حالة عدم اليقين هذه لم تتوقف عند الأرقام الاقتصادية، بل انعكست بشكل حاد في استطلاعات الرأي التي تجريها المؤسسات الإعلامية الأمريكية الكبرى بانتظام.

ترامب، الذي استهل ولايته الثانية بنسبة تأييد بلغت 52%، يواجه اليوم واقعاً مريراً؛ حيث انحدرت شعبيته إلى 40.1% مقابل 56.7% من المعارضين، ليسجل أسوأ أرقام لرئيس أمريكي في هذه المرحلة من ولايته، بفارق سلبي يتجاوز 16 نقطة مئوية.

الناخب الأمريكي لا يخشى الحرب لذاتها فحسب، بل يرتعد خوفاً من فاتورتها الاقتصادية التي بدأت تنهك جيبه المثقل بالأعباء.

ووفقاً لتحليلات الخبير الإحصائي نيت سيلفر، فإن 31.5% فقط من الأمريكيين يثقون في إدارة ترامب لملف التضخم، بينما يرفض 64.2% سياسته الاقتصادية الحالية، وهو رقم صادم لرئيس بنى حملته الانتخابية على وعود الرخاء.

إن معركة التضخم كانت الحصان الذي راهن عليه ترامب في انتخابات 2024، واليوم تبدو الأمور مهيأة لانفجار سعري جديد مع تأثر قطاعات الطاقة والأسمدة، ما قد يعصف بكل الوعود الوردية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو من المستحيل تقريباً مراهنة الحزب الجمهوري على الاحتفاظ بأغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب، حيث باتت الأرقام تشير إلى كارثة انتخابية وشيكة في التجديد النصفي.

هذا الانسداد السياسي دفع رموزاً في حركة “ماغا” (MAGA) مثل ستيف بانون للمطالبة بإجراءات مثيرة للجدل، من بينها نشر عناصر من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة (ICE) في مراكز الاقتراع، في خطوة يراها مراقبون محاولة ترهيب للتأثير على النتائج المتوقعة.

بانون نفسه تحول إلى أحد أبرز المنتقدين لسياسة ترامب الخارجية في هذه الولاية، وهو ما يعكس انقساماً عميقاً داخل المعسكر الجمهوري.

هذا الانقسام يتسع ليشمل شخصيات بارزة مثل فانس، الذي يرى في التورط الحالي تكراراً لسيناريوهات سابقة أضرت بمصالح واشنطن.

إن التدخل العسكري المتزايد في الشرق الأوسط يحاكي بشكل مريب قرارات جورج بوش الأب والابن في العراق، وهي حقبة يصفها أنصار ترامب دوماً بأنها الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة.

ترامب يجد نفسه الآن في زاوية ضيقة؛ فإيران تواصل إغلاق شريان الحياة في هرمز وتستمر في توجيه ضربات دقيقة، وإن كانت متقطعة، ضد إسرائيل وحلفاء واشنطن الإقليميين.

الرئيس يدرك جيداً أن الانسحاب المفاجئ سيترك المنطقة في حالة فوضى، مع بقاء هيكل النظام الإيراني والقيادة السياسية الحالية في طهران متماسكين ومتحفزين للثأر.

ومن جهة أخرى، فإن استخدام القوة العسكرية الشاملة يعني حتماً وقوع خسائر بشرية هائلة؛ فإيران حصنت جزيرة “خارك” بالألغام وعززت دفاعاتها تحسباً لأي غزو محتمل.

ورغم التفوق التقني والعسكري الكاسح للجيش الأمريكي، إلا أن التحدي الحقيقي يبدأ في “اليوم التالي” للسيطرة؛ فكيف يمكن حماية جزر مثل خارك ولارك وأبو موسى من هجمات الدرونات والصواريخ وحرب العصابات المستمرة؟

هذه المعضلات فجرت غضب ترامب تجاه حلفائه في الناتو، متهماً إياهم مجدداً بالتخلي عن واشنطن، قائلاً: “نحن نحميهم من روسيا، وهم يرفضون مساعدتنا”.

لكن هذه السردية تتجاهل واقعاً ملموساً؛ فإدارة ترامب هي من تركت أوكرانيا لمصيرها وبدت وكأنها تسعى لإعادة تأهيل فلاديمير بوتين سياسياً واقتصادياً.

كما يتناسى الرئيس أن الدول الأوروبية قدمت تضحيات جسيمة ودماء شبابها في أفغانستان والعراق دعماً لواشنطن، وهو رصيد يبدو أن البيت الأبيض الحالي قرر القفز فوقه في لحظة تأزم إقليمي ودولي غير مسبوقة.

Exit mobile version