بين توعية الإنفلونزا وجولات التفتيش.. واقع المنظومة الصحية في مصر على المحك
جولة مفاجئة لوزارة الصحة تكشف تحديات هيكلية في المستشفيات الحكومية مع اقتراب ذروة الأمراض الموسمية.

في توقيت متزامن، تتجه أنظار وزارة الصحة والسكان المصرية في مسارين متوازيين؛ الأول توعوي يستهدف حماية المواطنين من الأمراض الموسمية مع اقتراب فصل الشتاء، والثاني رقابي مفاجئ يكشف عن تحديات هيكلية عميقة تواجهها المستشفيات الحكومية. هذا المشهد المزدوج يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية المنظومة الصحية في مصر للتعامل مع الضغوط المتوقعة.
جولة مفاجئة تكشف المستور
لم تكن جولة الدكتور عمرو قنديل، مساعد وزير الصحة، في مستشفى شبرا العام مجرد زيارة تفقدية روتينية، بل كانت بمثابة كشف حساب لواقع الخدمات الطبية على الأرض. فما رصدته الجولة من غياب فنيي الأشعة، وقصور في النظافة، وأعطال بأجهزة المراقبة الحيوية، لا يعبر عن مشكلة محلية معزولة، بل يمثل عرضًا لأزمات متكررة في عدد من مؤسسات القطاع الصحي الحكومي، التي تعاني من ضغط التشغيل ونقص الموارد.
إن الإجراءات الفورية التي اتخذها مساعد الوزير، من تحويل المقصرين للتحقيق وفرض جزاءات، تعكس رغبة في فرض الانضباط. لكن يرى مراقبون أن هذه التحركات، رغم أهميتها، تظل بمثابة مسكنات لأعراض مرض مزمن. فالمشكلة الحقيقية، بحسب محللين، تكمن في البنية التحتية للمنظومة وحاجتها إلى خطط صيانة وتمويل مستدامة تضمن استمرارية الخدمة بكفاءة.
فجوة بين الرسائل والواقع
على الجانب الآخر، تبدو الحملات التوعوية التي تطلقها الوزارة عبر منصاتها الرقمية، مثل التحذير من أعراض الإنفلونزا والدعوة للحصول على اللقاح، خطوة ضرورية لرفع الوعي الصحي المجتمعي. لكن فعاليتها تصطدم بالواقع الذي كشفته جولة مستشفى شبرا، حيث إن ضعف استخدام جهاز “الماموجرام” المتطور لا يعود لغياب الحاجة، بل قد يشير إلى عقبات إدارية أو لوجستية تحول دون استفادة المرضى منه على النحو الأمثل.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور أيمن صبري، استشاري إدارة النظم الصحية: “لا يمكن فصل حملات التوعية عن واقع تقديم الخدمة. فدعوة المواطنين للحصول على تطعيم الإنفلونزا يجب أن تقابلها منظومة قوية قادرة على استيعاب المرضى وتقديم الرعاية اللازمة لهم عند الحاجة، وهو التحدي الأكبر الذي تواجهه المنظومة الصحية في مصر حاليًا”.
تحديات هيكلية تتطلب حلولاً جذرية
إن ما حدث في مستشفى شبرا العام هو نموذج مصغر لمعادلة معقدة تواجه القطاع الصحي: طموحات التطوير تصطدم بمعوقات التنفيذ. فبينما تسعى الدولة المصرية لتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، تظل المستشفيات القائمة بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل شاملة لا تقتصر على الأجهزة، بل تمتد إلى الكوادر البشرية ونظم الإدارة والمتابعة.
وفي الختام، يبدو أن الطريق نحو إصلاح المنظومة الصحية في مصر يتطلب أكثر من مجرد جولات تفتيشية أو حملات توعية. إنه يحتاج إلى استراتيجية متكاملة تعالج جذور المشكلات من نقص التمويل، وهجرة الكوادر الطبية، وضعف برامج الصيانة الدورية، لضمان أن تكون الرسائل الصحية الرسمية انعكاسًا حقيقيًا لخدمة طبية لائقة ومتاحة للجميع، خاصة مع دخول البلاد في موسم تتزايد فيه الأعباء على هذا القطاع الحيوي.









