عرب وعالم

انقطاع جديد للكهرباء يضرب تشيرنوبيل وسط هجمات مكثفة على البنية التحتية الأوكرانية

تشيرنوبيل وزابوريجيا: الأمن النووي الأوكراني على المحك مع تزايد استهداف شبكة الكهرباء الحيوية.

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (OIEA) في رسالة عبر منصة “إكس” تعرض عدة محطات فرعية أوكرانية “حيوية للأمن النووي” لأضرار جراء “النشاط العسكري الواسع” الذي شهدته البلاد صباح اليوم. وقد أدى ذلك إلى فقدان محطة تشيرنوبيل النووية كامل إمداداتها الكهربائية الخارجية. ويأتي هذا الانقطاع في خضم هجوم مكثف شمل مئات الطائرات المسيرة والصواريخ، مما ترك آلاف المباني في كييف ومناطق أخرى بلا كهرباء أو تدفئة، في هجوم شتوي يتكرر للعام الثالث على التوالي.

لا تضم محطة تشيرنوبيل، التي تمر حالياً بمرحلة التفكيك، أي مفاعلات عاملة. ومع ذلك، لا تزال تحتفظ بأطنان من النفايات المشعة عالية الخطورة، وتعتمد بشكل كبير على إمدادات كهربائية مستقرة لتشغيل أنظمة المراقبة والتهوية والسلامة. وعند انقطاع هذا التيار الخارجي، تضطر المنشأة إلى الاعتماد على مصادر بديلة، مثل مولدات الديزل أو خطوط احتياطية أخرى، والتي تتسم بقدرة واستقلالية محدودتين.

ما يزيد الأمر خطورة هو أن هذا الحادث ليس معزولاً. فمنذ بدء الغزو في عام 2022، شهدت منطقة تشيرنوبيل المحظورة احتلالاً عسكرياً، وانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، ومؤخراً، هجمات مباشرة استهدفت هياكل الاحتواء. كل حادث جديد يضيف ضغطاً على نظام هش بالفعل، ويعزز الاعتقاد بأن الأمن النووي بات مجرد ضرر جانبي آخر في استراتيجية استنزاف أوكرانيا.

محطات فرعية حيوية تحت النيران وشبكة كهرباء على المحك

تتوافق الهجمات الأخيرة مع نمط يصفه المحللون منذ أشهر، حيث تحول التركيز الروسي من استهداف محطات الطاقة الحرارية الكبيرة إلى شن هجوم منهجي على نحو 3500 محطة فرعية كهربائية تشكل العمود الفقري للشبكة الأوكرانية. هذه البنى التحتية أصعب في الدفاع عنها، وأقل تكلفة لتدميرها، وينتشر ضررها بشكل متسلسل عبر النظام بأكمله.

في ديسمبر الماضي، سُجل ما لا يقل عن 27 هجوماً على منشآت الطاقة خلال شهر واحد، طالت محطات فرعية ومحطات حرارية وكهرومائية، مما أدى إلى انقطاع التيار عن أكثر من مليون مشترك بشكل مؤقت. لكن ضربة 20 يناير الجاري تجاوزت ذلك، لتطال أيضاً العقد التي تضمن تغذية المحطات النووية، وتحديداً محطة تشيرنوبيل.

نتج عن ذلك نظام كهربائي مجزأ، حيث تبلغ القدرة المتاحة في الشتاء حوالي 14 جيجاوات، بينما يقترب الطلب من 17 جيجاوات، وفقاً لتقديرات حديثة. هذا العجز البالغ حوالي 3 جيجاوات – وهو ما يعادل ذروة استهلاك دولة مثل الدنمارك – يفرض قطعاً دورياً للتيار في المنازل والشركات، ويجعل كل هجوم جديد مضاعفاً للضرر الاقتصادي.

يكشف هذا التطور عن تحول نوعي: فالشبكة لم تعد مجرد عرضة للضغط، بل أصبحت مصممة عملياً للفشل بشكل متحكم فيه مع كل وصول للصواريخ. وعندما يغذي الخط المتضرر محطة نووية أيضاً، يضيق هامش الخطأ إلى أقصى حدوده.

تشيرنوبيل: من الدرع المتضرر إلى الانقطاع الكامل للكهرباء

لم يضرب انقطاع التيار الكهربائي اليوم أي موقع عادي، بل استهدف منشأة تعرض درعها الواقي لأضرار بالغة جراء هجوم بطائرة مسيرة في فبراير 2025. وقد اخترق الهجوم الطبقتين الخارجية والداخلية لما يسمى “الاحتواء الآمن الجديد” (NSC)، وهي القبة الفولاذية العملاقة التي تغطي المفاعل الرابع المتضرر منذ عام 1986، وذلك منذ عام 2016.

بعد أشهر من أعمال الطوارئ، خلصت بعثة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ديسمبر 2025 إلى أن الهيكل فقد وظيفته الأساسية في الاحتواء، رغم بقاء دعاماته وأنظمة المراقبة الخاصة به قيد التشغيل. ومن المقرر أن تتطلب عملية الإصلاح الكاملة، التي ستنفذ في عام 2026، أكثر من 100 مليون يورو، بتمويل كبير من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وفرنسا، التي التزمت بالفعل بتقديم 42.5 مليون يورو إضافية على الأقل لترميم القبة.

بعبارة أخرى، يضاف الآن خطر جديد إلى هيكل بلغت تكلفته الإجمالية 2.15 مليار يورو لخطة احتواء تشيرنوبيل، بتمويل من 45 جهة مانحة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (BERD) نفسه. هذا الخطر يتمثل في انقطاع الطاقة اللازمة لتشغيل الأنظمة التي تبقيها تحت المراقبة.

يتجلى التباين الصارخ مع مناطق أخرى بوضوح: فبينما تناقش دول أوروبا الغربية سبل تمديد العمر التشغيلي لمحطاتها النووية، تشهد أوكرانيا سلسلة من الأحداث تشمل درعاً متضرراً، وانقطاعاً للتيار الكهربائي، وجبهة حرب تقع حرفياً فوق النفايات المشعة. النتيجة واضحة: أي تقدير للمخاطر النووية في القارة يتجاهل تشيرنوبيل وبيئتها الحربية هو ببساطة غير مكتمل.

زابوريجيا: الجبهة النووية الأخرى التي لا تتوقف عن الفشل

يأتي انقطاع التيار في تشيرنوبيل بعد أسابيع قليلة من تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقدان محطة زابوريجيا، أكبر محطة نووية في أوروبا والتي تحتلها روسيا منذ عام 2022، لإمداداتها الكهربائية الخارجية بالكامل للمرة الثانية عشرة. هذه المحطة، التي كانت تشغل ستة مفاعلات قبل الغزو، تعمل اليوم في حالة أشبه بالسبات غير المستقر، متصلة بالشبكة عبر خطوط ضعيفة تتعرض للانقطاع مراراً وتكراراً تحت نيران القصف المتبادل.

في ديسمبر، تسببت موجة جديدة من الهجمات في حرمان زابوريجيا من طاقة الشبكة، مما اضطر لتفعيل مولدات الطوارئ. هذا السيناريو تكرر مرات عديدة لدرجة أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسها تصفه بأنه “هشاشة هيكلية” للأمن النووي في أوكرانيا. بالتوازي مع ذلك، اضطرت الأطراف للتفاوض على هدنات محلية ليوم واحد لإصلاح الخطوط الحيوية، وهو اعتراف فعلي بأن سلامة المحطة تعتمد على اتفاقات مؤقتة في جبهة نشطة.

التشخيص لا لبس فيه: مع انقطاع الإمداد الخارجي عن تشيرنوبيل وتعرض زابوريجيا لانقطاعات متكررة، تعمل معظم المنشآت النووية الأوكرانية في ظروف لا يمكن لأي دليل هندسي أن يعتبرها مقبولة في أوقات السلم. ومع ذلك، لا تزال هذه المحطات نفسها توفر ما يقرب من 50% من الكهرباء التي تحافظ على حيوية اقتصاد البلاد.

ماذا يحدث عند انقطاع الإمداد الخارجي عن محطة نووية؟

في أي محطة نووية، سواء كانت عاملة أو قيد التفكيك، لا يعني فقدان الطاقة الخارجية وقوع حادث فوري، لكنه يطلق سباقاً مع الزمن. فالمفاعلات المتوقفة وأحواض الوقود المستهلك تحتاج إلى أنظمة تبريد ومراقبة مستمرة تعتمد على إمداد موثوق به.

عند انقطاع الاتصال بالشبكة، تبدأ مولدات الديزل والبطاريات بالعمل. وعادة ما تُقاس مدة استقلاليتها بالأيام لا بالأسابيع، وتتطلب لوجستيات معقدة تشمل الوقود والموظفين والطرق الصالحة للاستخدام. وفي بلد يتعرض لقصف منتظم، فإن هذه السلسلة بعيدة كل البعد عن الأمان.

في مارس 2022، تعرضت تشيرنوبيل لانقطاع طويل للتيار الكهربائي خلال الاحتلال الروسي للمنطقة، مما دفع السلطات الأوكرانية للتحذير من احتمال تزايد المخاطر في أحواض الوقود، رغم عدم اكتشاف أي تسربات إشعاعية في نهاية المطاف. لكن الوضع اليوم أسوأ: فالدرع متضرر، والشبكة أكثر هشاشة بكثير، كما أن الهجمات على المحطات الفرعية أصبحت أكثر تطوراً.

في هذا السيناريو، تتكرر رسالة الخبراء: كل فقدان للطاقة الخارجية يزيد من احتمالية وقوع حادث، حتى لو لم تظهر قراءات إشعاعية غير طبيعية على الفور. فالأنظمة تصمد، إلى أن يأتي يوم قد تتوقف فيه عن الصمود. وهذا “اليوم” ليس بالضرورة أن يتزامن مع الأجندة الدبلوماسية.

خطر منهجي يهدد الاقتصاد الأوكراني

بعيداً عن المخاطر الإشعاعية، هناك حقيقة توضح البعد الاقتصادي للمشكلة: ففي عام 2023، أنتجت أوكرانيا 103 تيراوات ساعة من الكهرباء، جاء 52 تيراوات ساعة منها من محطاتها النووية، أي ما يقرب من نصف الإجمالي. استهداف الخطوط التي تغذي هذه المحطات لا يهدد أمنها فحسب، بل يعرض للخطر أيضاً العمود الفقري الرئيسي للنظام الكهربائي.

أدت هجمات هذا الشتاء إلى تدهور القدرة المتاحة وخلقت فجوة هيكلية تبلغ حوالي 3 جيجاوات بين الإنتاج والطلب في الشتاء. وهذا يفرض انقطاعات صناعية وتوقفات في المناجم ومصانع الصلب والمصانع التي لا تزال صامدة بعد ثلاثة فصول شتاء من الحرب. كل انقطاع للتيار الكهربائي في منشأة صناعية كبيرة يترجم إلى ملايين اليوروهات من الإنتاج المفقود، والمعدات المتضررة، والوظائف المعرضة للخطر.

تشير تقديرات حديثة إلى أن إعادة بناء البنية التحتية للطاقة الأوكرانية بالكامل ستتطلب ما لا يقل عن 67 مليار دولار، وهو مبلغ لا يمكن تغطيته إلا بمزيج من الاستثمار الخاص والمساعدات الدولية الضخمة. وفي هذا السياق، فإن أي حادث نووي – حتى لو لم يصل إلى مستوى عام 1986 – سيضيف طبقة إضافية من التكاليف: عمليات إجلاء، وتطهير، وإغلاق طويل الأمد للبنى التحتية الرئيسية، وضربة للثقة يصعب تقديرها من حيث الاستثمار.

مقالات ذات صلة