الهرم الذهبي يتوج مسيرة محمد عبد العزيز

في لفتة تقدير تليق بتاريخه الكبير، أعلن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن تكريم المخرج محمد عبد العزيز بمنحه جائزة الهرم الذهبي لإنجاز العمر. يأتي هذا التكريم تتويجًا لمسيرة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن، رسم خلالها ملامح الكوميديا الاجتماعية في مصر وأثرى بها وجدان أجيال متعاقبة.
تكريم مستحق في دورة استثنائية
جاء الإعلان الرسمي خلال المؤتمر الصحفي الخاص بالدورة الـ46 للمهرجان، والمقرر إقامتها في الفترة من 12 إلى 21 نوفمبر 2025. ويمثل هذا التكريم اعترافًا بقيمة فنان لم يكن مجرد مخرج، بل كان مهندسًا للبهجة وراصدًا دقيقًا لتحولات المجتمع المصري عبر عدسة كاميرته.
بدايات صقلت الموهبة
لم تكن رحلة محمد عبد العزيز وليدة الصدفة، فقد بدأ مسيرته في منتصف الستينيات كمساعد مخرج، حيث نهل من خبرات عمالقة الإخراج في أفلام خالدة مثل “القاهرة 30″ و”أبي فوق الشجرة” و”ثرثرة فوق النيل”. هذه التجارب المبكرة منحته فهمًا عميقًا لأدواته الفنية، ومكنته من إطلاق فيلمه الأول “صور ممنوعة” عام 1972، الذي كان بمثابة شهادة ميلاد مخرج واعد ونهاية رمزية لعصر الأبيض والأسود في السينما المصرية.
صانع البهجة.. و«الديكتاتور» المحبوب
برع عبد العزيز في تقديم الكوميديا الاجتماعية بأسلوب متجدد، ليصبح خليفة شرعيًا للرائد فطين عبد الوهاب. أفلامه مثل “عالم عيال عيال” و”ألف بوسة وبوسة” لم تكن مجرد أعمال للضحك، بل كانت مرايا تعكس بذكاء هموم الأسرة المصرية. وقد شكل مع النجم عادل إمام ثنائيًا أسطوريًا قدم للسينما أعمالًا لا تُنسى مثل “البعض يذهب للمأذون مرتين” و”خلي بالك من جيرانك” و”حنفي الأبهة”.
وراء الكواليس، عُرف عنه الدقة الشديدة والحرص على كل تفصيلة، حتى أطلق عليه زملاؤه لقب “الديكتاتور”. لم يكن هذا اللقب دلالة على تسلط، بقدر ما كان تعبيرًا عن شغفه بإتقان العمل، وهو الشغف الذي شعر به الجمهور في كل مشهد متقن خرج من تحت يديه.
بصمات فنية لا تقتصر على الكوميديا
لم يحصر محمد عبد العزيز نفسه في إطار الكوميديا، بل أثبت قدرته على تقديم أعمال درامية جادة تركت بصمة قوية، مثل فيلم “انتبهوا أيها السادة” الذي ناقش بجرأة قضية الطبقية، و”الحكم آخر الجلسة” الذي قدم دراما إنسانية مؤثرة. كما امتد إبداعه ليشمل المسرح بأعمال مثل “شارع محمد علي”، والتلفزيون بمسلسل “أبو ضحكة جنان” الذي جسد فيه سيرة الفنان إسماعيل ياسين.
أستاذ الأجيال وعميد العائلة الفنية
إلى جانب إبداعه الفني، كرس محمد عبد العزيز جزءًا كبيرًا من وقته للتدريس في المعهد العالي للسينما، لينقل خبراته إلى أجيال جديدة من المخرجين والفنانين. وتكتمل صورته كأحد أعمدة الفن في مصر بكونه رب عائلة فنية بامتياز، فهو شقيق المخرج عمر عبد العزيز، ووالد النجم كريم عبد العزيز، لتستمر مسيرة العطاء الفني متوارثة وممتدة.
يأتي تكريم عبد العزيز من مهرجان القاهرة، أحد أعرق المهرجانات في المنطقة والمصنف ضمن الفئة “A” من الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (FIAPF)، ليؤكد على أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن صانعي البهجة يظلون في ذاكرة الأمة وقلبها.









