عرب وعالم

الشرق الأوسط: مفترق طرق دبلوماسي بين واشنطن وتل أبيب

تصعيد إقليمي يضع العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية على المحك ومهمة مبعوث أمريكي حاسمة

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

تتجه المنطقة نحو مفترق طرق حرج، حيث لم يعد التوتر الإقليمي مجرد حديث خلف الكواليس، بل بات يفرض نفسه على الأجندات الدبلوماسية العالمية. لم تعد واشنطن تخفي قلقها العميق، ولم يعد الغضب يُدار خلف الأبواب المغلقة. المنطقة تقف على حافة انفجار جديد، بينما الإدارة الأميركية تجد نفسها أمام حليفٍ يتصرف أحيانًا وكأنه خارج أي التزام، وفي لحظة إقليمية لا تحتمل المغامرة ولا سوء التقدير. زيارة المبعوث الأميركي توم باراك إلى المنطقة لا تأتي في سياق دبلوماسي روتيني، بل في قلب عاصفة سياسية وأمنية تكشف عمق التصدّع بين البيت الأبيض وحكومة بنيامين نتنياهو، وتضع مستقبل الترتيبات الإقليمية على المحك.

واشنطن: إدارة الأزمة أم منع الفوضى؟

الغضب الأميركي ليس وليد ضربة عسكرية هنا أو عملية أمنية هناك، بل نتيجة تراكم سلوك إسرائيلي يتعامل مع وقف إطلاق النار في غزة كاستراحة تكتيكية لا كالتزام سياسي. في الحسابات الأميركية، ما يجري ليس مجرد خرق ميداني، بل إضعاف مباشر لدور واشنطن كوسيط وضامن، وإحراج لإدارة راهنت على تحويل الحرب إلى مدخل لتسوية أوسع، لا إلى سلسلة لا تنتهي من الجبهات المفتوحة.

الإدارة الأميركية ترى أن استمرار التصعيد في غزة، بالتوازي مع التوتر في لبنان والضربات المتكررة في الساحة السورية، يعيد إنتاج منطق “الحرب الدائمة”. هذا المنطق يُفشل أي محاولة للانتقال من إدارة النار إلى هندسة الاستقرار. هنا تحديدًا يتشكّل جوهر الغضب: إسرائيل لا تُصعّد وحدها، بل تُصعّد في توقيت خاطئ، وبمنطق يتجاهل الكلفة السياسية على الحليف الأميركي، ويهدد الاستقرار الإقليمي برمته. فهم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يتطلب إدراك هذه التعقيدات.

محمد سعد عبد اللطيف وتوم باراك

مهمة المبعوث: احتواء التصعيد الإقليمي

زيارة توم باراك ليست بروتوكولية، بل أقرب إلى مهمة احتواء متأخرة. الرجل يحمل رسالة واضحة: الولايات المتحدة لا تريد حربًا إقليمية شاملة. لا تريد أن تتحول غزة إلى شرارة تشعل لبنان وسوريا معًا. في سوريا تحديدًا، ترى واشنطن أن الضربات الإسرائيلية العابرة للحدود تُقوّض أي فرصة لإعادة ضبط المشهد الأمني، وتُعقّد محاولات فتح قنوات غير مباشرة لترتيبات تهدئة أو تفاهمات مستقبلية.

أما في لبنان، فالمعادلة أكثر هشاشة. أي انزلاق واسع على الجبهة الشمالية يعني خروج الوضع عن السيطرة، وفرض واقع أمني جديد لا تملك واشنطن أدوات التحكم فيه، خصوصًا في ظل تراجع الثقة الإقليمية بقدرة الولايات المتحدة على كبح اندفاع تل أبيب. إن هذا القرار، وإن بدا تكتيكيًا في ظاهره، يحمل في طياته أبعادًا استراتيجية عميقة، فهو يحدد مدى قدرة الأطراف على تجاوز منطق الصراع الدائم نحو أفق أكثر استقرارًا، وهو ما يمثل اختبارًا حقيقيًا لإرادة السلام في المنطقة.

غزة: تعقيدات المرحلة الثانية

الملف الأكثر حساسية يبقى غزة. الإدارة الأميركية تدرك أن المرحلة الثانية من أي اتفاق لا يمكن أن تمر دون تنازلات إسرائيلية حقيقية، وعلى رأسها إعادة انتشار القوات وتخفيف القبضة العسكرية. لكن نتنياهو، المحاصر داخليًا، يتعامل مع الاتفاق بمنطق كسب الوقت لا بمنطق إنهاء الحرب. هذا السلوك، في نظر واشنطن، لا يهدد فقط مستقبل غزة، بل ينسف أي أفق لتوسيع اتفاقات التطبيع أو إعادة ترميم صورة إسرائيل في العالم العربي.

الرسالة الأميركية هنا قاسية في مضمونها: لا يمكن الجمع بين خطاب الشراكة مع واشنطن وسلوك يُنظر إليه إقليميًا كاستفزاز دائم. الولايات المتحدة لا تطلب من إسرائيل التخلي عن أمنها، لكنها ترفض أن يُدار هذا الأمن بمنطق إشعال الحرائق ثم مطالبة الآخرين بإطفائها.

اتفاقات أبراهام: تحديات الاستمرارية

كانت الرؤية الأميركية تقوم على الانتقال من حرب غزة إلى إعادة هندسة العلاقات الإقليمية، وتوسيع دائرة التطبيع، خصوصًا مع السعودية. لكن الواقع اليوم يقول إن هذا المشروع يترنّح بشكل ملحوظ. العواصم العربية لم تعد ترى في نتنياهو شريكًا يمكن الوثوق به، بل عبئًا سياسيًا يعرقل أي تقدم نحو الاستقرار الإقليمي. هذا التحول يضع مستقبل اتفاقات أبراهام في مهب الريح.

زيارة توم باراك تأتي في هذا السياق: محاولة أخيرة لفهم ما إذا كانت إسرائيل مستعدة لتعديل سلوكها، أم أن واشنطن ستُعيد حساباتها الاستراتيجية، حتى لو كان الثمن تباطؤ مشروع كانت تراهن عليه بقوة لتحقيق الاستقرار الإقليمي.

نحن أمام لحظة فاصلة. الإدارة الأميركية تُدرك أن استمرار التصعيد في غزة ولبنان وسوريا لا يخدم أحدًا، وأن الحليف الذي لا يُصغي قد يتحول إلى عبء استراتيجي على المدى الطويل. زيارة توم باراك ليست فقط رسالة إلى تل أبيب، بل إشارة إلى الإقليم كله: واشنطن تريد تهدئة، لا مغامرة، وتسوية، لا استنزاف.

السؤال المفتوح الآن: هل يلتقط نتنياهو الإشارة، أم يواصل السير عكس التيار، دافعًا المنطقة نحو جولة جديدة من الفوضى؟ في كل الأحوال، ما بعد هذه الزيارة لن يكون كما قبلها، لا في حسابات واشنطن الاستراتيجية، ولا في خرائط الصراع المفتوح في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *