اقتصاد

التعداد الاقتصادي السادس يكشف: التجارة الإلكترونية تتجاوز 60 مليار جنيه وقطاع التعهيد يقود النمو

أرقام صادمة من الجهاز المركزي للإحصاء ترسم ملامح الاقتصاد المصري الجديد: هيمنة القطاع الخاص وتوسع رقمي غير مسبوق

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مؤخرًا عن نتائج التعداد الاقتصادي السادس لعامي 2022-2023، كاشفًا عن تحولات هيكلية في الاقتصاد المصري. أبرز هذه التحولات تمثلت في النمو الهائل لقطاعي التجارة الإلكترونية والتعهيد، اللذين باتا يشكلان ركائز أساسية للنشاط الاقتصادي.

أظهرت بيانات التعداد أن عدد المنشآت العاملة في مجال التجارة الإلكترونية بمصر وصل إلى نحو 21.8 ألف منشأة خلال فترة التعداد. هذه الأرقام تعكس زخمًا متزايدًا في التحول الرقمي للأسواق المحلية.

وقُدر حجم هذا النشاط بنحو 60 مليار جنيه مصري خلال عام 2023 وحده، وهو ما يمثل ما يقرب من 14.9% من إجمالي إيرادات الدولة. هذه النسبة تؤكد الدور المحوري الذي بات يلعبه هذا القطاع الحيوي في تعزيز الإيرادات العامة.

قطاع التعهيد: محرك اقتصادي صاعد

لم يقتصر النمو على التجارة الإلكترونية، بل امتد ليشمل قطاع التعهيد (Outsourcing) الذي سجل حضورًا قويًا. بلغ عدد المنشآت العاملة في هذا المجال نحو 19.2 ألف منشأة، بقيمة إجمالية للخدمات المقدمة بلغت 239 مليار جنيه.

توزعت هذه المنشآت بين 2.4 ألف منشأة تقدم خدمات التعهيد، و14.8 ألف منشأة تتلقى هذه الخدمات، ليقترب العدد الإجمالي للطرفين من 20 ألف منشأة. ويشير التقرير إلى أن 15.2 ألف منشأة تعمل داخل مصر، بينما تعمل 936 منشأة خارج البلاد، مما يبرز قدرة مصر على جذب وتصدير خدمات التعهيد.

هذا التوسع في قطاعي التجارة الإلكترونية والتعهيد لا يعكس مجرد أرقام، بل يمثل تحولًا نوعيًا في بنية الاقتصاد المصري نحو الخدمات والرقمنة. إنه مؤشر على قدرة السوق المحلية على استيعاب تكنولوجيا المستقبل وخلق فرص عمل جديدة، مما يقلل الاعتماد على القطاعات التقليدية ويفتح آفاقًا للتنافسية الإقليمية والدولية.

إضافات نوعية للتعداد الاقتصادي

تضمن التعداد الاقتصادي السادس الأخير إجراءات جديدة ينفذها الجهاز للمرة الأولى، مما يعكس حرصًا على مواكبة التطورات الاقتصادية. من أبرز هذه الإضافات حصر المناطق الصناعية والاستثمارية على مستوى الجمهورية.

كما شمل التعداد توثيق نشاط خدمات التعهيد ورصد أداء قطاعي التجارة الإلكترونية والاقتصاد الأخضر. هذه الخطوات تهدف إلى توفير قاعدة بيانات أكثر شمولية ودقة، تدعم التخطيط الاستراتيجي وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الواعدة والمستدامة.

هيمنة القطاع الخاص: أرقام المنشآت والعمالة والأجور

على صعيد المنشآت الاقتصادية ككل، سجل التعداد الاقتصادي السادس إجمالي 3.858 مليون منشأة في مصر. اللافت للنظر هو الهيمنة الساحقة للقطاع الخاص، الذي يمثل 3.852 مليون منشأة، أي ما يعادل 99.85% من الإجمالي.

في المقابل، لم يتجاوز عدد المنشآت التابعة للقطاع العام وقطاع الأعمال العام 5917 منشأة فقط، بنسبة 0.15%. هذه الأرقام تؤكد الدور المحوري والمتنامي للقطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي ومولد للفرص.

امتدت هذه الهيمنة لتشمل سوق العمل، حيث بلغ إجمالي عدد المشتغلين داخل هذه المنشآت حوالي 15.234 مليون مشتغل. استحوذ القطاع الخاص على 14.311 مليون منهم، بنسبة 93.9%.

بينما بلغ عدد المشتغلين في القطاع العام 923.2 ألف مشتغل، بنسبة 6.1%. هذه الفجوة الكبيرة تعكس التوجه نحو اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على مبادرات وشركات القطاع الخاص في توفير فرص العمل.

أما على مستوى الأجور، فقد وصل إجمالي الأجور السنوية إلى نحو 744.156 مليار جنيه. حصل القطاع الخاص على نصيب الأسد منها بواقع 596.719 مليار جنيه، أي 80.2% من الإجمالي.

في حين بلغ نصيب القطاع العام وقطاع الأعمال العام 147.437 مليار جنيه، بنسبة 19.8%. هذه الأرقام تؤكد أن القطاع الخاص ليس فقط يوفر معظم الوظائف، بل يدفع أيضًا الجزء الأكبر من إجمالي الأجور في الاقتصاد المصري.

إن التفوق الواضح للقطاع الخاص في أعداد المنشآت والعمالة والأجور يرسخ مكانته كقاطرة للاقتصاد. هذا التوجه يعكس سياسات الدولة الرامية لتمكين هذا القطاع وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، مما يتطلب بيئة تشريعية وتنظيمية محفزة للاستثمار وريادة الأعمال.

وفي هذا السياق، صرح اللواء خيرت بركات، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، خلال مؤتمر إعلان التعداد الاقتصادي السادس، أن هذا التعداد يمثل أداة رئيسية لرصد ملامح الاقتصاد الوطني.

وأكد بركات أن البيانات الشاملة التي يوفرها التعداد تدعم صناع القرار في رسم السياسات الاقتصادية المستقبلية. تزامن ذلك مع الإطلاق الرسمي للموقع الإلكتروني الجديد للجهاز، في خطوة تعكس استراتيجية التحول الرقمي.

تهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز نشر البيانات والإحصاءات وتيسير الوصول إليها، بما يواكب متطلبات العصر الرقمي. هذا التطور يعزز الشفافية ويسهل على الباحثين والمستثمرين وصناع السياسات الحصول على معلومات دقيقة ومحدثة، مما يدعم اتخاذ قرارات مستنيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *