الاقتصاد الصيني ينمو بـ4.8%.. أرقام تخفي تباطؤًا داخليًا مقلقًا
رغم تجاوز التوقعات، يكشف نمو الاقتصاد الصيني عن تحديات هيكلية عميقة مع ضعف الطلب المحلي والاستثمار، في وقت تستعد فيه بكين لاجتماعات سياسية حاسمة

أعلنت بكين أن الاقتصاد الصيني لا يزال يسير بثبات نحو تحقيق مستهدف النمو السنوي، على الرغم من تسجيله أبطأ وتيرة نمو منذ عام. وتكشف الأرقام الرسمية عن مفارقة واضحة؛ فبينما تدعم الصادرات القوية والإنتاج الصناعي الأداء العام، يعاني الاقتصاد من ضعف حاد في الإنفاق المحلي والاستثمار، مما يثير تساؤلات حول استدامة هذا النموذج.
قراءة في الأرقام الرسمية
وفقًا للبيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء، توسع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.8% خلال الربع الثالث من العام، متجاوزًا بشكل طفيف توقعات المحللين التي استقرت عند 4.7%. وأكد المكتب أن النمو المحقق خلال الأرباع الثلاثة الأولى يضع “أساسًا متينًا” لتحقيق الهدف السنوي المحدد عند حوالي 5%، لكن الصورة التفصيلية تبدو أقل تفاؤلًا.
يأتي هذا النمو مدفوعًا بقوة مفاجئة في الإنتاج الصناعي الذي قفز بنسبة 6.5% في سبتمبر، متجاوزًا كافة التوقعات. إلا أن هذا الأداء الإيجابي قابله تباطؤ ملحوظ على الجبهة الداخلية، حيث سجلت مبيعات التجزئة نموًا بنسبة 3% فقط، وهي أبطأ وتيرة منذ نوفمبر الماضي، مما يعكس حذر المستهلكين الصينيين وترددهم في الإنفاق.
تراجع الاستثمار.. نزيف مستمر
الأكثر إثارة للقلق هو الانكماش الذي شهده الاستثمار في الأصول الثابتة، والذي تراجع بنسبة 0.5% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، مسجلًا أول انخفاض له منذ عام 2020. هذا التراجع يعكس حالة من ضعف الثقة في المناخ الاقتصادي، ويقوده بشكل أساسي الانهيار المستمر في قطاع العقارات، إلى جانب تباطؤ الإنفاق على مشاريع البنية التحتية والتصنيع.
وتشير الأرقام إلى أن استثمارات البنية التحتية لم تنمُ سوى بنسبة 1.1%، وهي أضعف قراءة منذ عام 2020، كما تباطأت استثمارات قطاع التصنيع من حوالي 10% في بداية العام إلى 4% فقط. هذا الضعف الهيكلي يضغط على الأسعار، حيث انخفض التضخم السلبي للربع العاشر على التوالي، في أطول موجة انكماش سعري في تاريخ الصين الحديث.
تحديات هيكلية تنتظر قرارات سياسية
في مواجهة هذا الواقع، وعد المكتب الوطني للإحصاء بأن الحكومة ستعمل على “تعزيز تنفيذ سياسات كلية أكثر نشاطًا وفاعلية”، وهو ما يترقبه المستثمرون. وتأتي هذه البيانات في توقيت حاسم، حيث يجتمع قادة الحزب الشيوعي الصيني لمناقشة خطط التنمية الخمسية المقبلة، في أهم حدث سياسي تشهده البلاد هذا العام.
على الصعيد الخارجي، ورغم رد فعل الأسواق الإيجابي الذي شهد ارتفاع مؤشر “سي إس آي 300” بنسبة 1.3%، فإن هذا التفاؤل يبدو مرتبطًا أكثر بتهدئة التوترات التجارية مع الولايات المتحدة. ومن المقرر عقد لقاء بين مسؤولين أمريكيين وصينيين هذا الأسبوع تمهيدًا لقمة مرتقبة بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترمب، مما يضيف بعدًا جيوسياسيًا للأداء الاقتصادي.
وينتظر العالم ما ستسفر عنه اجتماعات بكين، وتحديدًا ما إذا كان الرئيس شي جين بينغ سيمنح زخمًا سياسيًا حقيقيًا لخطط إعادة توازن الاقتصاد الصيني نحو الاعتماد على الاستهلاك المحلي. مثل هذه الخطوة قد تساهم في تصحيح اختلالات تجارية عالمية عميقة، لكنها تتطلب قرارات جريئة لمواجهة التحديات الداخلية المتزايدة.








