الاقتصاد الصيني: صراع بين صادرات قياسية وتباطؤ داخلي مقلق
بينما تسجل الصادرات أرقامًا تاريخية، يواجه النمو المحلي في الصين أبطأ وتيرة له منذ عام، مما يضع ضغوطًا على بكين لإعادة توازن نموذجها الاقتصادي.

يشهد الاقتصاد الصيني مفارقة حادة، فبينما تسجل صادراته أرقامًا قياسية، يواجه نموه المحلي أبطأ وتيرة له منذ عام. هذا التناقض يضع ضغوطًا كبيرة على قيادة الحزب الشيوعي الصيني قبيل اجتماع حاسم يُعقد الأسبوع المقبل، حيث من المتوقع أن يتم تحديد مسار السياسات الاقتصادية المستقبلية.
من المقرر أن تكشف بيانات المكتب الوطني للإحصاء عن نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7% فقط في الربع الثالث، وهو تراجع ملحوظ عن نسبة 5.2% المسجلة في الأشهر الثلاثة السابقة. ويعكس هذا الرقم حالة من الضعف الهيكلي الذي لم يعد من الممكن إخفاؤه خلف قوة قطاع التصدير، خاصة مع تصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.
مؤشرات داخلية مقلقة
يأتي هذا التباطؤ مدفوعًا بضعف غير مسبوق هذا العام في قطاعات حيوية مثل مبيعات التجزئة، التي يُتوقع أن ترتفع بنسبة 3% فقط، والإنتاج الصناعي الذي قد يصعد بنسبة 5%، وهما أضعف معدلين لهما هذا العام. هذه الأرقام تشير بوضوح إلى فتور في الطلب المحلي وثقة المستهلك، وهي الركيزة التي تسعى بكين لتعزيزها.
على صعيد الاستثمار، لم تنجح محاولات الحكومة لتحفيز الاقتصاد عبر زيادة الاقتراض لدعم الإنفاق على البنية التحتية في تعويض الركود الحاد في قطاع العقارات وتباطؤ التمويل الموجه للتصنيع. وتتفاقم الصورة مع تراجع ثقة المستثمرين الأجانب، حيث انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 13% في الأشهر الثمانية الأولى، مما يضع الصين على أعتاب عام ثالث من التراجع في هذا المؤشر الحيوي.
في المقابل، يظل القطاع الخارجي هو النقطة المضيئة الوحيدة، حيث حقق فائض الميزان التجاري السلعي مستوى قياسيًا بلغ 875 مليار دولار حتى الآن هذا العام. هذا الاعتماد المفرط على الطلب العالمي يجعل الاقتصاد الصيني عرضة للصدمات الخارجية ويؤكد على الحاجة الملحة لـإعادة توازن الاقتصاد نحو الاستهلاك المحلي.
اجتماع حاسم للحزب الشيوعي
من المتوقع أن تهيمن هذه الهشاشة الاقتصادية على مناقشات اجتماع الدورة العامة الرابعة المرتقب في بكين. سيقدم الاجتماع مؤشرات حول أولويات الحزب للفترة 2026-2030، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية من الحكومات والمستثمرين للمطالبة بتحول حقيقي نحو نموذج اقتصادي يعتمد بشكل أكبر على قوة الإنفاق المحلي.
ويرى خبراء “بلومبرغ إيكونوميكس” أن بكين تواجه تحديات هيكلية عميقة تتجاوز الصدمات المؤقتة التي خلفها الوباء. وتشمل هذه التحديات:
- ضعف محركات النمو التقليدية.
- ركود ممتد في قطاع العقارات.
- انكماش متجذر في الأسعار.
- بيئة خارجية أكثر عدائية مع تشديد القيود التجارية والتكنولوجية الأمريكية.
ويضيف الخبراء أن التحول نحو نموذج جديد لم يعد هدفًا بعيد المدى، بل أصبح ضرورة ملحة لضمان استقرار النمو.
تحذيرات دولية
أبقى صندوق النقد الدولي على توقعاته لنمو الصين عند 4.8% لعام 2025، مع ترجيح تباطؤه إلى 4.2% في العام المقبل. وحذر الصندوق من أن “آفاق الصين لا تزال ضعيفة”، مشيرًا إلى أن الاستثمار العقاري يواصل الانكماش بينما يترنح الاقتصاد على حافة دورة انكماش ناتجة عن الديون وتراجع الأسعار.
وشدد مسؤولو الصندوق على أن إعادة توازن الاقتصاد نحو استهلاك الأسر، من خلال إجراءات مالية تركز على الإنفاق الاجتماعي ومعالجة أزمة قطاع العقارات، سيساهم في خفض الفوائض الخارجية وتخفيف ضغوط تراجع الأسعار المحلية، مما يمثل المخرج الأكثر استدامة من الأزمة الحالية.







