تكنولوجيا

احتراف بالصدفة.. غياب النظام المؤسسي يحاصر مواهب الرياضات الإلكترونية في باكستان

بين غرف الألعاب المظلمة والمنصات العالمية.. لماذا يغيب الدعم عن أبطال باكستان؟

محرر أخبار تقنية في النيل نيوز، يهتم بتغطية المستجدات في عالم التكنولوجيا والإنترنت

لم تُبْنَ هذه الغرف يوماً لتستوعب الطموح. صفوف من أجهزة الكمبيوتر القديمة وشاشات تلمع في زوايا معتمة بينما صوت المراوح يطغى على أحاديث الحاضرين. هنا صراخ بتعليمات وهناك شجار على لقطة ضائعة وطابور خلف مقعد ينتظر نهاية الساعة. الوقت يمر بسرعة. تدفع لتلعب وتخسر ثم تحاول مرة أخرى.

في مدن مثل كراتشي ولاهور وإسلام آباد كانت هذه المناطق الصغيرة أكثر من مجرد أماكن لتمضية الوقت. كانت المقدمة الأولى للمنافسة الحقيقية. في هذه المساحات تحديداً ظهر لاعبون مثل أرسلان آش بطل العالم في لعبة تيكن وسوميل حسن الذي حقق الملايين في دوتا 2. طوروا مهاراتهم دون مدربين أو نظام مهيكل. اعتمدوا على التكرار والحدس ووجود لاعب أفضل يجلس على بعد مقعدين فقط.

مع الوقت بدأت هذه المساحات تتراجع. تحولت الألعاب إلى شاشات الهواتف المحمولة مع تحسن الإنترنت وأغلقت مقاهٍ كثيرة أبوابها. الزحام قل وانتقلت الثقافة التي ملأت الغرف إلى المنازل. أصبح اللعب فردياً وأكثر سهولة في الوصول لكنه صار معزولاً أيضاً.

الآن يبدو أن هذا التحول بدأ يدور في الاتجاه المعاكس مرة أخرى.

نسخة جديدة من هذه المساحات بدأت تظهر. الغرف الضيقة استُبدلت في بعض المناطق بتجهيزات أكثر تطوراً. أجهزة كمبيوتر عالية الأداء ومنصات كونسول وحتى أجهزة محاكاة سباقات بدأت تجد طريقها إلى مراكز متخصصة للرياضات الإلكترونية. الشكل اختلف لكن الهدف يبدو مألوفاً. اللاعبون لا يزالون يطاردون التحسن ويقيسون أنفسهم بالآخرين.

بالنسبة للاعبي المستوى المبتدئ في لعبة فالورانت مثل أسد لائق فإن التجربة لم تتغير كثيراً. يقول لائق إن الجميع في المقهى يكونون في حالة تركيز وهناك ضغط وهذا الجو يساعد كثيراً في تطوير المستوى.

لكن التغيير الحقيقي طال كل شيء يحيط بكرسي اللعب. الموهبة موجودة دائماً لكن النظام الداعم لها غائب. لا توجد أكاديميات ولا استمرارية في البطولات أو الظهور الإعلامي. حتى اليوم لا يزال اللاعبون يعتمدون على مساحات مشتركة وإنترنت غير مستقر وإصرارهم الشخصي للمضي قدماً.

إذا وُجدت هذه الحلقة المفقودة فإن الأثر سيكون فورياً. المساحات التي قدمت اللاعبين للمنافسة يمكن أن تتطور لمراكز تدريب حقيقية تغذي الدوريات والمنظمات وصولاً للمسارح الدولية. الرحلة من مقهى الحي إلى الساحة العالمية لن تعود معتمدة على الحظ أو الصراع الفردي بل على نظام مصمم لدفع اللاعبين.

حالياً يظل هذا النظام غير مكتمل. ولذلك بالنسبة للكثيرين لا تزال الرحلة تبدأ من كرسي أمام شاشة مشتركة.

حتى اليوم يظل الوصول هو العائق الأول لمعظم اللاعبين الذين يحاولون تجاوز مرحلة الهواية. الأجهزة القوية والإنترنت المستقر والبيئة المناسبة ليست متاحة بسهولة في المنازل. هنا تستمر المقاهي في لعب دورها. دانيال ششتي مؤسس شركة رياضات إلكترونية في لاهور يوضح أن نقطة البداية لم تتغير كما كان متوقعاً. يقول إن الرحلة تبدأ عادة في مقاهي الألعاب المحلية حيث ينتقل اللاعبون من اللعب العادي إلى الجدية.

بالنسبة للبعض هذا التحول ضرورة وليس خياراً. إبراهيم الذي يلعب الآن بمستوى تنافسي يعيد جذور رحلته إلى بيئة مشابهة. بدأ في مقهى ألعاب لأنه لم يمتلك ثمن جهاز مناسب في بيته. الساعات التي قضاها هناك في مواجهة لاعبين أفضل تحولت إلى تطور وفرصة للانضمام إلى فريق.

في بعض الحالات يتم إعادة تصور غرف اللعب المزدحمة لغرض مختلف. شهزاد أكبر صاحب مركز رياضات إلكترونية في كراتشي يقول إن المقاهي لم تُصمم أصلاً من أجل الأداء العالي. كانت مجرد أماكن للتجمع واللعب غير الرسمي. التجهيزات الجديدة تقدم معدات أفضل وبيئات أكثر تنظيماً ونوايا مختلفة.

هذا الانتقال لا يزال غير متساوٍ ومناطق الألعاب التقليدية تستمر في العمل كما كانت دائماً.

التحول من اللعب للمتعة إلى الجدية لا يحدث بين عشية وضحاها. يبنى ببطء دون لحظة قرار واضحة. ساعات إضافية في المقهى ولاعبون أفضل للمنافسة وشعور متزايد بأن هذا قد يكون أكثر من مجرد تزجية وقت.

بالنسبة للائق بدأ التحول عندما لم يعد اللعب في المنزل كافياً. بدأ مثل غيره على الهاتف المحمول لكن غياب التجهيزات أعاده لمقهى قريب. يقول لائق إنه هناك بدأ يأخذ الأمر بجدية حيث شاهد لاعبين أفضل دفعه مستواهم للتحسن وقبل ذلك لم يكن يعرف كيف يبدو اللعب التنافسي.

في المستويات الأعلى يصبح الهيكل أكثر وضوحاً لكن التحديات تبقى. إبراهيم قائد فريق فليكس للرياضات الإلكترونية يصف روتيناً يزداد حدة مع اقتراب البطولات حيث يتدرب الفريق يومياً لعدة ساعات. لكن الوضع بعيد عن المثالية. في غياب الرعاة أو القدرة على جمع اللاعبين في مكان واحد يستمر التدريب عن بعد. يقول إبراهيم إن معظم اللاعبين من مدن مختلفة والفرق غير ممولة فلا يمكنهم تحمل تكاليف معسكرات التدريب والنتيجة هي التدريب من المنازل.

بين هذه الروتينات يبرز طموح مشترك وهو الرغبة في الاحتراف. يقول لائق إن الكثيرين يريدون ذلك لكن الطريق ليس واضحاً. تكتفي باللعب والتحسن وتأمل أن يلاحظك أحد.

هذا الغموض لا يعني أن المسار غير موجود. بالنسبة للبعض نجح الأمر. إبراهيم يقدم تجربته كدليل على إمكانية التقدم من بدايات محدودة ويؤكد أن بناء مسيرة احترافية انطلاقاً من منطقة ألعاب هو أمر ممكن تماماً.

لفترة طويلة نُظر للمقاهي كأماكن للتجمع لا للتطور. تذهب هناك مع الأصدقاء لتمضية الوقت. ما يحدث داخل تلك الغرف نادراً ما يترجم لشيء منظم. هذا التصور بدأ يتغير.

شهزاد أكبر يرى أن الفرق يكمن في النية. يوضح أن المقاهي كانت موجودة دائماً لكنها بنيت حول فكرة الوصول لا الأداء. أرادوا خلق مساحة ينتقل فيها التركيز من مجرد اللعب إلى التحسن الفعلي. في هذا التحول تصبح البيئة مهمة بقدر اللعبة نفسها.

يقول أكبر إن الفرق الأكبر يظهر في الاستمرارية والتحكم. في البداية يعاني المستخدمون مع الأساسيات لكن مع الوقت يبدأ اللاعبون المنتظمون في فهم تفاصيل دقيقة في المنافسة. يصبح الأمر أقل اعتماداً على رد الفعل وأكثر على التوقع. كلما بقي اللاعب في هذه البيئة أصبحت طريقته أكثر تعمداً.

قيمة هذه المساحات تأتي من الناس المحيطين باللاعب. إبراهيم يصف المقاهي كمرحلة أولى للتعلم. لا تزال هناك فجوة بين اللعب والتدريب. معظم المقاهي غير مهيأة لدعم التطوير طويل الأمد والتحسن يعتمد على الجهد الفردي. لكن التحول التدريجي واضح.

إذا كانت المقاهي هي البداية فهي أيضاً المكان الذي تتباطأ فيه الرحلة للكثيرين.

التدرج من الهواية للتنافس موجود نظرياً. اللاعبون يتحسنون ويشكلون فرقاً وينافسون محلياً. لكن تجاوز هذه المرحلة هو المكان الذي ينكسر فيه النظام. ليس بسبب غياب المهارة بل لأن المنظومة المحيطة غير مكتملة.

على مستوى اللاعبين الإحباط مباشر. يقول لائق إنك تسمع عن لاعبين نجحوا لكن بالنسبة للأغلبية المسار غير واضح ويبدو الأمر متعلقاً بالحظ أو العلاقات أكثر من وجود نظام حقيقي. المجهود يستمر لكن دون توجيه ومع الوقت يضغط هذا الغموض على من يحاولون الجدية.

بعيداً عن البنية التحتية يشير اللاعبون لغياب الدعم المؤسسي. إبراهيم يعتقد أن الاعتراف على المستوى الوطني قد يغير طريقة معاملة اللاعبين ودعمهم. يرى أن لاعبي الرياضات الإلكترونية يحتاجون للاعتراف بهم كرياضيين لتسهيل الحصول على التأشيرات والوثائق للمشاركات الدولية. في الوقت نفسه يسلط الضوء على غياب الرعاية والفرص التجارية مؤكداً أنه بدون رؤية ودعم مالي سيواجه حتى أمهر اللاعبين صعوبة في الاستمرار.

هذا التراجع ليس مرئياً دائماً لكنه مستمر. على مستوى البنية التحتية تصبح المشكلة في الاستمرارية. المقاهي والمراكز توفر نقطة دخول لكنها غير مرتبطة بنظام أكبر يحمل اللاعبين للأمام. يقول أكبر إنه لا يوجد مسار واضح يتبعه اللاعب. المساحات الحالية تساعد في تطوير المهارة والعقلية الأولية ومن هناك يحتاج اللاعبون لبطولات ومنظمات وظهور إعلامي لاتخاذ الخطوة التالية. حالياً هذه القطع موجودة لكنها غير متصلة ببعضها.

تحاول منظمات كثيرة خلق نوع من الاستمرارية بين المواهب المحلية والمستويات الأعلى. التركيز حسب ششتي منصب على إدخال مستوى من الاتساق افتقده المشهد المحلي تاريخياً. من خلال استضافة الفعاليات وبناء منصات تنافسية يهدفون لمنح اللاعبين مساحة تُختبر فيها مهاراتهم خارج الأطر غير الرسمية.

هذا الجهد يظل جزءاً من انتقال أكبر. هناك أيضاً تحول تدريجي في كيفية النظر لمساحات الألعاب نفسها. فكرة تطور المقاهي إلى بيئات أكثر تنظيماً لم تعد بعيدة. ششتي يعتقد أن النموذج يمكن أن يتغير لكنه يحتاج إلى دعم.

مقالات ذات صلة