سنوات طويلة قضاها محللون جيوسياسيون يحذرون من سيناريو يُعد من الأكثر رعباً للاقتصاد العالمي: إغلاق مضيق هرمز. واليوم، نجد أنفسنا عملياً أمام هذا السيناريو تحديداً. حركة الملاحة عبر هذا الممر المائي الضيق، البوابة الرئيسية للخليج العربي، تراجعت إلى ما يقرب من الصفر. لقد تحقق الكابوس الأسوأ.
لكن الغريب، وما يثير الريبة في آن واحد، هو أن العالم لا يبدو مختلفاً كثيراً عما كان عليه من قبل. مؤشر S&P 500، المعيار الرئيسي للأسهم الأمريكية، لم يتزحزح تقريباً. مؤشر FTSE 100 تراجع قليلاً، لكنه لا يزال أعلى مما كان عليه قبل شهر. هذا يدفعنا للتساؤل: هل الأزمة ليست بالسوء الذي خشيناه جميعاً؟
غير أن الحديث مع خبراء أسواق الطاقة والجغرافيا الاقتصادية للخليج وزبائنه، يكشف قصة مختلفة تماماً. قد يستغرق تأثير الإغلاق بعض الوقت ليُشعر به، لكنه قد يكون مدمراً تماماً، ليس لدول الخليج وحدها، بل للعالم بأسره.
نذير تضخم أعلى يضرب جيوب المصريين
على مستوى العالم، يُعد الارتفاع الحاد في أسعار الغاز نذيراً لارتفاع التضخم في الأشهر القادمة. لزمن طويل، افترضت دول عديدة أن قطر ستكون من بين أكثر موردي الغاز الطبيعي موثوقية. الآن، لم تعد ناقلات الغاز المسال التي كانت تنقل الغاز القطري للعالم قادرة على الوصول إلى الخليج فحسب، بل حقول الغاز القطرية نفسها توقفت عن العمل. وهذا يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الطاقة التي تدفعها دول مثل مصر، والتي تسعى جاهدة لتأمين احتياجاتها من الطاقة وتصدير الفائض، في حين يزداد معها عبء فاتورة الطاقة على المستهلك المصري، وقد نشهد زيادات في أسعار الغاز المنزلي والكهرباء في السوق المحلي بضغوط من الأسعار العالمية.
بالنسبة للعديد من الدول الآسيوية، من الهند وباكستان إلى كوريا الجنوبية وتايوان، هذا يُعد كارثة محققة. معظم هذه الدول لا تملك مخزونات كافية من الغاز، لذا ستتسابق في الأشهر القادمة لتأمين ما يكفي من الميثان لتشغيل محطاتها الكهربائية وأنظمة التدفئة. هذا، بدوره، سيرفع الأسعار في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أوروبا التي تعتمد أيضاً على الغاز المسال لسد بعض الفجوة التي تركها الغاز الروسي بعد توقف بعض إمدادات خطوط الأنابيب عقب غزو أوكرانيا. كلما طال إغلاق المضيق وتوقف ضخ الغاز القطري، تعمقت هذه الأزمة، لتزيد من أعباء المعيشة على المواطن العربي.
سلع أساسية تعتمد على إنتاج الخليج
الأمر لا يتوقف عند الغاز وحده. قطر مسؤولة أيضاً عن ثلث إنتاج الهيليوم في العالم. وبدون الهيليوم، لا يمكن لأجهزة الرنين المغناطيسي أن تعمل في مستشفياتنا، ولا يمكن لأجهزة الكمبيوتر الكمومية المتطورة أن تؤدي وظيفتها، إذ تعتمد على هذا الغاز لتبريد مغناطيساتها ودوائرها. ويوفر الخليج حوالي نصف إنتاج العالم من حامض الكبريتيك، الذي لا يمكن بدونه تصنيع المتفجرات أو تكرير النحاس. باختصار، يمكننا أن نتوقع أن تتسع رقعة الاضطراب في الخليج لتشمل العالم بأسره مع مرور كل يوم. هذا يعني ارتفاع تكلفة العديد من المدخلات الصناعية، التي ستنعكس حتماً على أسعار المنتجات النهائية في أسواقنا المحلية، من السيارات وحتى الأجهزة الكهربائية.
صورة: منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز عام 2023. رويترز.
لكن العواقب أشد وطأة على أولئك المحاصرين داخل الخليج. في عالم مثالي، ستمتلك هذه الدول ما يكفي من خطوط الأنابيب لإخراج نفطها من الخليج، لكن عملياً، لا توجد قدرة كافية لخطوط الأنابيب على الإطلاق. والنتيجة هي أنه بدون ناقلات لشحن نفطها، لن يجد النفط الخام الذي يتدفق من باطن الأرض في السعودية والكويت والعراق وأبو ظبي مكاناً يذهب إليه.
لدى هذه الدول كمية محدودة فقط لتخزين النفط، وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث في غضون أيام عندما تستنفد تلك المخازن؟ الإجابة المختصرة هي إما أن تضطر لإغلاق حقول نفطها – وهو أمر قد يلحق بها ضرراً دائماً – أو حرق النفط أو سكبه فور خروجه. وتلك كارثة بيئية واقتصادية لا تقدر بثمن.
ثم تأتي التساؤلات الأعمق حول ما يعنيه هذا لمنطقة تعتمد على العمالة الوافدة. ماذا سيحدث إذا غادر هؤلاء الوافدون، وكثير منهم لم يتوقعوا العيش تحت تهديد القصف الجوي، البلاد؟ ماذا سيحل بالنموذج الاقتصادي الخليجي الذي نعرفه؟ مصير آلاف المصريين والعرب العاملين هناك يصبح على المحك، ما سيؤثر على تحويلاتهم التي تعد شرياناً حيوياً لاقتصادات بلدانهم.
أي إجابات على التساؤلات المطروحة أعلاه ليست سارة على الإطلاق. لا شيء منها مشجع بشكل خاص للاقتصاد العالمي، أو لجيوبنا في المنطقة. إنها، بعبارة صريحة، مخيفة للغاية. وهذا ما يجعلنا نأمل جميعاً ألا يطول إغلاق مضيق هرمز. فكلما طالت فترة إغلاقه، زادت حدة هذا الكابوس الذي نعيشه.
