في هدوء لافت، تتغير ملامح أسواق النفط العالمية من شح الإمدادات إلى وفرة واضحة، مشهد لم يكن يتوقعه الكثيرون قبل أشهر قليلة. تبدو الأسواق الآن وكأنها تسبح في فائض من المعروض، خاصة في الأمريكتين، حيث تقود الولايات المتحدة موجة إنتاج تضغط على الأسعار وتغير حسابات المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
إشارات أمريكية
تأتي الإشارة الأبرز من قلب السوق الأمريكية، حيث يتخذ منحنى العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط هيكلاً يُعرف بـ “الكونتانغو”. ببساطة، السوق تقول إنها ليست في عجلة من أمرها للحصول على النفط الآن، فسعر التسليم المستقبلي أعلى من السعر الفوري. يرى المحللون في ذلك دليلاً قاطعاً على ضعف الطلب الفوري ووفرة الإمدادات الحالية، وهو وضع من المتوقع أن يستمر لمعظم عام 2025.
صادرات قياسية
لا تقتصر الأدلة على الأسواق المالية، بل تمتد إلى الموانئ الأمريكية. فقد سجلت صادرات النفط الخام الأمريكية في أكتوبر الماضي أعلى مستوياتها منذ عدة أشهر، ما يؤكد أن الإنتاج المحلي يفوق حاجة السوق، ويدفع بالبراميل الفائضة إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي يزيد من الضغوط على بقية المنتجين.
العدوى العالمية
لم يسلم خام برنت، المعيار العالمي، من هذه الأجواء. فرغم أن منحنى عقوده الآجلة يبدو “مسطحاً”، إلا أن هذا بحد ذاته يعكس ضعفاً في الطلب. والأهم من ذلك، مؤشر “خام برنت-خام دبي”، الذي يقيس قوة برنت أمام الخامات الشرق أوسطية، دخل المنطقة السالبة. وهي إشارة لا تخطئها عين المتداولين المخضرمين، وتعني أن برنت يُباع بخصم سعري، فاقداً جزءاً من بريقه.
تغيير التوقعات
المثير للدهشة هو الإجماع شبه الكامل بين كبار اللاعبين في السوق. فمنظمة أوبك، التي دافعت طويلاً عن توقعات قوة الطلب، اضطرت لتغيير تقديراتها من عجز إلى فائض، معترفة بتأثير طفرة الإنتاج الأمريكي. وعلى نفس الخط، ذهبت وكالة الطاقة الدولية إلى أبعد من ذلك، متوقعة أن يشهد عام 2025 “فائضاً قياسياً” في المعروض. يبدو أن الجميع يقرأ من نفس الصفحة الآن.
وفي هذا السياق، تلخص فاندانا هاري، مؤسسة شركة “فاندا إنسايتس”، المشهد قائلة إن العالم سيشهد “فائضاً طفيفاً” خلال الربع الحالي وبداية العام المقبل. وتضيف في حديثها لتلفزيون “بلومبرغ”: “قد يستمر تأثير الكونتنانغو، لكنني لا أتوقع أن تشهد السوق حالة كونتانغو عميقة”، في إشارة إلى أن الفائض موجود ولكنه قد لا يكون كارثياً.
في المحصلة، تدخل أسواق النفط مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي هو “الفائض”. هذا التحول يضع تحديات كبيرة أمام تحالف “أوبك+” للحفاظ على استقرار الأسعار، بينما يمنح المستهلكين والدول المستوردة متنفساً طال انتظاره. ويبقى السؤال معلقاً: إلى متى سيستمر هذا الوضع، وهل هو بداية لعهد جديد من الأسعار المعتدلة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.
