تكنولوجيا

الذهب يتجاوز سندات الخزانة الأمريكية كأكبر أصول احتياطي عالمي

كيف قادت المخاطر العالمية وتراكم البنوك المركزية الذهب ليصبح القوة المالية المهيمنة

صحفي في قسم التكنولوجيا بمنصة النيل نيوز، يتابع أحدث الأخبار التقنية

في لحظة لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة، شهدت الأسواق المالية العالمية تحولاً تاريخياً مع مطلع عام 2026، إذ لم يعد الذهب مجرد ملاذ آمن تقليدي، بل أصبح أكبر أصول الاحتياطي الأجنبي التي تحتفظ بها البنوك المركزية حول العالم، متجاوزاً بذلك سندات الخزانة الأمريكية للمرة الأولى منذ عام 1996. تجاوزت القيمة الإجمالية للذهب في حوزة المؤسسات الرسمية الأجنبية عتبة الأربعة تريليونات دولار تقريباً، متفوقة بذلك على ما يقارب 3.9 تريليون دولار من حيازات سندات الخزانة الأمريكية.

يأتي هذا الإنجاز الكبير وسط موجة صعود قياسية لأسعار الذهب، وتوسع رقعة المخاطر الجيوسياسية، إضافة إلى تراكم البنوك المركزية للذهب بوتيرة غير مسبوقة. اختتم الذهب عام 2025 بزيادة تجاوزت 70%، ليلامس لفترة وجيزة مستوى 4500 دولار للأوقية في أواخر ديسمبر، قبل أن يحافظ على مستوياته المرتفعة مع بداية يناير 2026.

لقد مهدت حالة عدم الاستقرار العالمية الطريق أمام صعود الذهب إلى 4500 دولار. فخلال عام 2025، خلقت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط ما يمكن تسميته بـ”علاوة الخوف” التي لم يتمكن المستثمرون من تجاهلها. ذكّرت النزاعات في ممرات الطاقة الحيوية العالم بمدى هشاشة سلاسل التوريد العالمية. وفي الوقت نفسه، زعزعت حالة عدم اليقين بشأن السياسات الداخلية في الولايات المتحدة – بدءاً من النقاشات حول سقف الدين وصولاً إلى التحولات في التعريفات التجارية – الثقة في الدولار الأمريكي.

وكان محافظو البنوك المركزية في الأسواق الناشئة، وتحديداً في آسيا وأوروبا الشرقية، هم المحركين الرئيسيين لهذا الطلب المتزايد. أضافت هذه المؤسسات أكثر من 1100 طن من الذهب إلى خزائنها في عام 2025 وحده، إذ اعتبروا هذا المعدن درعاً أساسياً ضد التضخم وعمليات تجميد الأصول المحتملة. ومع تجاوز الدين الوطني الأمريكي حاجز الـ38 تريليون دولار، تراجعت جاذبية سندات الخزانة كـ”ملاذ آمن”، تاركة الذهب كآخر ركيزة قائمة للاستقرار المالي.

شهدت البنوك المركزية تراكمًا للذهب بمستويات عالية ومستمرة على مدى السنوات العديدة الماضية. يبلغ إجمالي حيازات الذهب حاليًا ما يقرب من 36,000 إلى 37,000 طن، مما يجعل حصة الذهب من الاحتياطيات الرسمية العالمية تتراوح بين 25% و27%، وهي نسبة تاريخية مرتفعة مقارنة بسندات الخزانة والعملات الورقية الرئيسية. هذا التراكم الهائل مدفوع بعدة عوامل، أبرزها: الرغبة في تنويع الأصول بعيداً عن الأصول المقومة بالدولار الأمريكي، وسط مخاوف من عدم القدرة على التنبؤ بالسياسات والإجهاد المالي في الولايات المتحدة. كذلك، يوفر الذهب حماية ضد التضخم والمخاوف المتزايدة بشأن الديون السيادية، ويزداد الطلب عليه كملاذ آمن في عصر تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية وتقلبات السوق.

انضمت بنوك مركزية من الأسواق الناشئة والاقتصادات المتقدمة على حد سواء إلى هذا الاتجاه الشرائي. تظهر دول مثل الصين، الهند، تركيا، وقطر بانتظام ضمن قائمة كبار المشترين. وفي بعض الحالات، تعكس هذه المشتريات جهوداً لتقليل الاعتماد على احتياطيات العملات الأجنبية التي قد تكون عرضة للعقوبات أو التقلبات السريعة في أسعار الصرف. تاريخياً، بلغ متوسط مشتريات البنوك المركزية من الذهب حوالي 473 طناً سنوياً خلال معظم سنوات العقد الثاني من الألفية. إلا أن المشتريات السنوية الأخيرة تضاعفت بأكثر من الضعف، مما يشير إلى تحول هيكلي في إدارة الاحتياطيات العالمية.

إن صعود الذهب كأصل احتياطي قد تعزز بفعل اشتداد بؤر التوتر الجيوسياسي حول العالم، وهو ما دفع بالطلب على الملاذات الآمنة من جانب المشترين الرسميين والمستثمرين الخاصين على حد سواء. ففي عام 2025، أدى تجدد الصراع بين إسرائيل وإيران، بما في ذلك الضربات الجوية والتصعيد العسكري، إلى دفع المستثمرين نحو الذهب. وظهرت عروض قوية للملاذات الآمنة مع تخوف الأسواق من اتساع رقعة عدم الاستقرار الإقليمي.

وفي أوائل عام 2026، زادت العملية التي شنتها القوات الخاصة الأمريكية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من حدة التوترات الجيوسياسية، مما أثار اهتماماً متجدداً بالذهب وغيره من الملاذات الآمنة. وشهدت المعادن الثمينة، بما في ذلك الذهب والفضة، ارتفاعات حادة في الأسعار في الأيام التي تلت العملية. في هذه الأثناء، تعاني إيران من اضطرابات عميقة ودوامة اقتصادية، مصحوبة باحتجاجات واسعة النطاق وتصاعد في التضخم. هذه العوامل مجتمعة تزيد من المخاطر في الشرق الأوسط وتعزز دور الذهب كتحوط ضد حالة عدم اليقين. يلاحظ المحللون أن هذه الظروف – بدلاً من أي حدث منفرد – هي التي تعيد تشكيل استراتيجيات الاحتياطي بشكل تراكمي. فعندما تتوقع البنوك المركزية مخاطر متزايدة للصراع أو العقوبات أو عدم الاستقرار، فإنها تميل إلى تعزيز حيازاتها من الأصول التي لا تحمل مخاطر طرف مقابل. الذهب، على عكس السندات أو العملات الورقية، لا يمكن أن يتعرض للتخلف عن السداد أو التجميد بموجب أنظمة العقوبات.

على الرغم من هذا التحول الكبير، يظل الدولار الأمريكي العملة الاحتياطية المهيمنة عالمياً، حيث يمثل ما يقدر بنحو 45-58% من إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي اعتماداً على طرق التقييم. إن تجاوز الذهب لسندات الخزانة كأصل احتياطي لا يعني بعد أنه قد تفوق على الدولار بشكل عام، لكنه يسلط الضوء على تحولات هيكلية في كيفية إدارة الدول للمخاطر وتنويعها. يشير الاقتصاديون إلى أنه بينما تظل سندات الخزانة الأمريكية قيّمة لسيولتها وأسواقها الثانوية العميقة، فإن الاستقطاب السياسي والعجوزات المالية وحالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية قد تدفع مديري الاحتياطيات إلى تقليل تعرضهم لأدوات الدين. هذا الاتجاه يعززه توقعات بأن أصول الملاذ الآمن مثل الذهب مهيأة لطلب هيكلي مستمر في عام 2026 وما بعده. وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن أسعار الذهب قد تقترب أو تتجاوز 4800 دولار للأوقية بفضل الشراء المستمر للبنوك المركزية واتجاهات ضعف الدولار.

يحمل هذا التحول في تكوين الاحتياطيات آثاراً واسعة على الأسواق المالية والمستثمرين وصناع السياسات: فتنويع الاحتياطيات يعني أن الدول قد تختار قاعدة احتياطية متوازنة تشمل الذهب وسندات الخزانة وأصول أخرى لضمان السيولة والأمان معاً. أما أسواق العملات، فقد تشهد تراجعاً تدريجياً في الطلب على الأوراق المالية المقومة بالدولار، مما يوسع نطاق تنويع العملات العالمية. وبخصوص التضخم وأسعار الفائدة، قد يشير الطلب المستمر على الذهب إلى شعور حذر تجاه التضخم والعوائد الحقيقية، مما يؤثر على سياسة البنوك المركزية. وأخيراً، تعزز مكانة الذهب المتصاعدة ثقة المستثمرين في أصول حفظ القيمة التقليدية خلال أوقات عدم اليقين.

مع تعمقنا في عام 2026، يبقى السؤال هو ما إذا كان الذهب سيحافظ على موقعه هذا. يعتقد معظم محللي السوق أن الصعود لا يزال أمامه المزيد من المجال. وتشير التوقعات من كبرى البنوك الاستثمارية إلى أن متوسط سعر الذهب قد يصل إلى 5000 دولار للأوقية بحلول نهاية العام. المنطق بسيط: العوامل التي دفعت الارتفاع الكبير في عام 2025 – الاحتكاكات الجيوسياسية والديون المرتفعة – لم تُحل بعد. ومن المتوقع أن يستمر الشراء المستدام مع سعي البنوك المركزية إلى تحقيق نسبة تتراوح بين 20% و25% للذهب من إجمالي احتياطياتها. لا تزال العديد من الدول النامية تحتفظ بأقل من 10% من ثروتها في الذهب. وإذا استمرت هذه الدول في استراتيجية التنويع، فإن تدفق رأس المال قد يبقي الأسعار مرتفعة لسنوات. ولأول مرة في العصر الحديث، لم يعد الذهب مجرد احتياطي ثانوي؛ بل أصبح المحرك الأساسي للحفاظ على الثروة العالمية.

الأسئلة الشائعة:

س: لماذا تفوق الذهب على سندات الخزانة الأمريكية كأكبر أصول احتياطي أجنبي؟
ج: تحتفظ البنوك المركزية الأجنبية الآن بما يقرب من 4 تريليونات دولار من الذهب، متجاوزة بذلك 3.9 تريليون دولار في سندات الخزانة. يقود ارتفاع أسعار الذهب والتوترات الجيوسياسية والتنويع بعيداً عن أصول الدولار هذا التحول التاريخي. تهدف البنوك المركزية إلى تقليل المخاطر وحماية الاحتياطيات من حالات عدم اليقين المالية والجيوسياسية.

س: ما هي الدول الرائدة في تراكم احتياطيات الذهب؟
ج: من بين كبار المشترين الصين والهند وتركيا وقطر وغيرها. زادت البنوك المركزية مشترياتها السنوية إلى أكثر من 900-1000 طن، أي أكثر من ضعف متوسط العقد الثاني من الألفية. يعكس هذا اتجاهاً عالمياً لإعادة موازنة الاحتياطيات نحو الذهب من أجل الاستقرار والحماية كملاذ آمن.

مقالات ذات صلة