صحة

فحوصات الدم للكشف المبكر عن السرطان: وعود كبيرة وواقع معقد

دراسات حديثة تكشف محدودية الفحوصات الجديدة وتؤكد أهمية الإجراءات الوقائية التقليدية

تتنامى آمال عريضة حول فحوصات دم جديدة تعد بالكشف عن السرطان مبكرًا، بل قبل ظهور أي أعراض. يرى كثيرون في ذلك ثورة طبية تلوح في الأفق، خاصة مع شيوع الخوف من هذا المرض القاتل.

الفكرة مغرية: عينة دم واحدة يمكنها مسح الجسم بحثًا عن عشرات أنواع السرطان في آن واحد. هذا يعني اكتشاف المرض في مرحلة يسهل علاجها وتزداد فيها فرص الشفاء. هذه الفحوصات تستهدف قطعًا دقيقة من المادة الوراثية للخلايا السرطانية المنتشرة في الدم. قضت فرق بحثية سنوات في دراسة هذا المجال. في المعامل، تحلل أجهزة متطورة هذه المكونات الجينية الدقيقة، بحثًا عن أنماط تشير إلى وجود سرطان خفي في الجسم.

يُتوقع أن يودع الناس انتظار ظهور كتلة أو فقدان وزن غير مبرر أو غيرها من الأعراض، ليخضعوا لفحص دم دوري كل ستة أشهر أو سنة للكشف عن أي بداية لنمو سرطاني. وصفت هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS England) هذا الفحص، الذي جربته على 142 ألف مريض، بأنه «بداية ثورة» طبية لكن الثورة تأجلت.

عندما أخضعت الدراسات هذه الفحوصات للاختبار الفعلي، جاءت النتائج أقل بكثير من العناوين البراقة. أظهرت دراسة بريطانية واسعة حديثة، أن فحص الدم الجديد أغفل معظم أنواع السرطان التي تطورت لاحقًا لدى المشاركين. فشل ذريع يثير القلق.

اختبار سلبي قد يمنح شعورًا زائفًا بالاطمئنان، لكنه في الواقع لا يؤكد الخلو من المرض. هذا الأمر خطير، فالناس يغيرون سلوكهم عندما يشعرون بالراحة. إذا اعتقدت أن فحص دم متطورًا «استبعد» السرطان، فقد تؤخر زيارة الطبيب عند ظهور الأعراض، أو تتجاهل تغيرات مزعجة في جسمك.

فحوصات الكشف المبكر التقليدية، رغم مشكلاتها، تعتمد على عقود من الأدلة. فحص الثدي بالأشعة (الماموجرام) للكشف عن سرطان الثدي، وفحوصات القولون أو تحليل البراز للكشف عن سرطان الأمعاء، وفحص عنق الرحم، كلها خضعت لتجارب طويلة ودقيقة أثبتت أنها تنقذ الأرواح بشكل عام، وليس فقط أنها تكتشف المزيد من الشذوذ.

حتى هذه الفحوصات التقليدية يمكن أن تغفل بعض أنواع السرطان، وقد تكتشف أورامًا حميدة لم تكن لتسبب أي ضرر. أما بالنسبة لفحوصات الدم المتعددة للكشف عن السرطان، فإن الأدلة أقل بكثير، ولا يزال لا يوجد يقين حول ما إذا كان استخدامها في الأشخاص الأصحاء يقلل فعليًا من وفيات السرطان. لا دليل قاطع، مجرد تكهنات.

فحوصات الثدي بالأشعة تعتمد على عقود من الخبرة.

الفحوصات الجديدة تولد أيضًا إنذارات كاذبة. أحيانًا قد يشير الفحص إلى وجود سرطان لدى شخص سليم، مما يسبب ضغطًا نفسيًا هائلاً. الأنظمة الصحية المنهكة بالفعل، كما هو الحال في المستشفيات الحكومية بمصر التي تعاني من ضغط هائل، قد تُرهق بالتحقيقات والمتابعات التي تثيرها نتائج فحوصات الدم، والتي قد لا تقود إلى شيء في النهاية. إهدار للموارد وشقاء للمرضى.

التكلفة عامل آخر. هذه الفحوصات ليست رخيصة في التطوير أو الشراء. إذا استخدمت على نطاق واسع قبل معرفة فعاليتها، فقد تهدر الخدمات الصحية الأموال ووقت الموظفين على تقنيات غير مثبتة، بدلًا من توجيهها لإجراءات فعالة ومؤكدة مثل التشخيص السريع، والإقلاع عن التدخين، والتحكم في الوزن، وضمان وصول برامج الكشف المبكر القائمة إلى الفئات الأكثر احتياجًا لها.

لكن من الخطأ تجاهل هذه الفحوصات بالكامل. العلم الكامن وراءها معقد، ويتقدم بسرعة. في الفئات عالية الخطورة – مثل الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي قوي لأنواع معينة من السرطان، أو أولئك الذين يحملون تغيرات جينية وراثية – يمكن أن تساعد فحوصات الدم المستخدمة بعناية في الكشف عن الأورام مبكرًا أكثر مما هو ممكن اليوم. أمل ضئيل لمجموعات محدودة.

تساعد هذه الفحوصات أيضًا في التحقق من عودة السرطان بعد العلاج، أو في اختيار العلاجات التي تتناسب مع الطبيعة البيولوجية لسرطان الشخص. تطبيقات محدودة وفعالة.

المشكلة الأعمق تكمن في كيفية إدخال مثل هذه التكنولوجيا في الحياة اليومية. للتاريخ الطبي سجل طويل من الانبهار بالعلاجات والإجراءات الجديدة، فقط ليكتشف لاحقًا أن الأضرار والتنازلات كانت أكبر من المتوقع.

تصل فحوصات الدم المبكرة للكشف عن السرطان في وقت تتسم فيه الثقة بالمؤسسات بالهشاشة، وتنتشر فيه المعلومات المضللة بسرعة، ويشعر فيه الكثيرون، ولأسباب مفهومة، أن رؤية الطبيب أصبحت صعبة بشكل متزايد. إضافة طبقة أخرى من التعقيد وعدم اليقين قد يوسع بسهولة فجوة التفاوت بين من يستطيعون الدفع شخصيًا مقابل فحوصات إضافية ومن لا يستطيعون، وهو ما يظهر جليًا في المجتمعات العربية حيث تبرز الفروق بين الخدمات الصحية الخاصة والحكومية. هذا تعزيز للفجوة الاجتماعية.

في انتظار أدلة أفضل، توجد خطوات حكيمة يمكن للناس اتخاذها. أولًا، إذا دعيت للمشاركة في تجربة لفحص دم جديد للسرطان، اسأل عن الهدف من الدراسة وما هو المعروف عنها بالفعل. فالتجارب السريرية الحقيقية، التي تديرها المؤسسات الطبية أو المراكز الأكاديمية، هي السبيل للإجابة على الأسئلة المهمة حول الفوائد والأضرار.

ثانيًا، إذا عُرض عليك أحد هذه الفحوصات بشكل خاص، اسأل من سيفسر النتيجة، وما الدعم الذي ستحصل عليه بعد ذلك، وما إذا كان من المرجح أن يغير رعايتك الصحية بطريقة مجدية.

الأهم من ذلك، لا تدع فكرة «فحص الدم البسيط» تطغى على الأساسيات. إذا لاحظت كتلة جديدة، أو نزيفًا غير مبرر، أو سعالًا مستمرًا، أو فقدانًا للوزن، أو تغيرًا في عادة الأمعاء يستمر لأكثر من بضعة أسابيع، يجب عليك الاتصال بطبيبك، حتى لو كان الفحص السابق طبيعيًا. لا تراهن على المجهول.

ثق بحدسك حول جسمك واستمر في الإلحاح إذا شعرت أن هناك خطأ ما. تظهر قصص التشخيصات المتأخرة مرارًا وتكرارًا أن إصرار المرضى والعائلات والأطباء يمكن أن يحدث فرقًا حاسمًا.

نتائج علاج السرطان تتحسن ببطء بمرور الوقت، بفضل مزيج من العلاجات الأفضل، والتشخيص المبكر، وإجراءات الصحة العامة. التقنيات الجديدة، بما في ذلك فحوصات الدم التي تبحث عن آثار السرطان، ستلعب على الأرجح دورًا في الفصل التالي من هذه القصة. لكنها، بمفردها، ليست حلًا سحريًا ضد المرض.The Conversation

مقالات ذات صلة