مكملات الشيخوخة: وجه آخر يغذي السرطان
دراسة يابانية تكشف كيف تدعم مركبات 'البولي أمينات' نمو الخلايا السرطانية

مركبات طبيعية حظيت باهتمام كبير لقدرتها على مكافحة الشيخوخة، لكنها كشفت عن وجه آخر يثير القلق.
أظهرت دراسة حديثة أن عائلة من المواد الكيميائية تسمى ‘البولي أمينات’ تدفع الخلايا السرطانية لتنمو بوتيرة أسرع. قدم هذا البحث، الذي قاده فريق من جامعة طوكيو للعلوم في اليابان، رؤى جديدة مهمة على صعيد علاج السرطان وتطوير علاجات مكافحة الشيخوخة.
تُعد ‘البولي أمينات’ جزيئات أساسية موجودة في كل الخلايا الحية. تشمل هذه المركبات مواد مثل ‘سبيرميدين’ و’بيوتريسين’، وتتحكم في عمليات مهمة مثل نمو الخلايا وتخليق البروتينات.
ربطت دراسات سابقة، أجريت على نماذج حيوانية، مركب ‘سبيرميدين’ بتحسين متوسط العمر والصحة وتقليل فقدان الذاكرة المرتبط بالتقدم في العمر. يجد هذا المركب طريقه بسهولة إلى العديد من المكملات الغذائية المتاحة دون وصفة طبية، التي تُسوّق لتعزيز الصحة العامة. أسواقنا العربية والمصرية تشهد إقبالاً متزايداً على هذه المكملات، استهلاك يثير قلقاً متجدداً.
نموذج كروي وعصوي لمركب سبيرميدين. (بن ميلز/ويكيميديا كومنز/ملكية عامة)
لكن الباحثين ربطوا أيضًا ‘سبيرميدين’ و’البولي أمينات’ الأخرى بانتشار السرطان. سعت الدراسة الجديدة إلى فحص هذه العلاقة بدقة أكبر، وتحديد التغيرات البيولوجية المحتملة، خاصة طريقة الخلايا السرطانية في استهلاك السكر كوقود لها دون الحاجة للأكسجين، حتى لو كان الأكسجين متوفرًا.
وفقًا للباحثين في ورقتهم المنشورة، ترتبط التغيرات في عملية أيض ‘البولي أمينات’ بأمراض متنوعة، منها السرطان والحالات المرتبطة بالشيخوخة.
مع ذلك، يظل الغموض يكتنف الكيفية التي تؤثر بها ‘البولي أمينات’ مباشرة على الجينات التي تدفع تطور السرطان، خاصة نمو الخلايا المعتمد على استهلاك السكر بهذه الطريقة.
استخدم الباحثون خلايا سرطانية من عنق الرحم والثدي نمت في المختبر، لدراسة استجابة الأنسجة السرطانية لتعديلات مختلفة. شمل البحث تتبع الآثار اللاحقة على بروتينين يُعرفان بـ eIF5A1 و eIF5A2.
يُعد هذان البروتينان متشابهين جدًا في تركيبهما الأساسي، لكن بروتين eIF5A1 ضروري للخلايا السليمة، بينما يُعتقد أن بروتين eIF5A2 يلعب دورًا في نمو السرطان وتطوره. تباين وظيفي صارخ.
وبما أن ‘البولي أمينات’ تؤثر على إنتاج هذين البروتينين، اشتبه الباحثون في أن البروتينات قد تكون وراء الدور المزدوج لـ ‘سبيرميدين’ كمركب مضاد للشيخوخة ومحفز للسرطان.
بواسطة عقاقير وتعديلات جينية، جرى تغيير مستويات ‘البولي أمينات’ والبروتينين في الخلايا السرطانية المخبرية.
أظهر سلوك الخلايا أن ‘البولي أمينات’ تدفع الخلايا السرطانية نحو طريقة استهلاك السكر (الوقود المفضل للسرطان)، وترفع مستويات بروتين eIF5A2. يحدث هذا بشكل أساسي عبر إزالة ‘فرامل’ طبيعية على إنتاجه، وهي جزيء RNA يُعرف بـ miR-6514-5p. آلية دقيقة ومقلقة.
إزالة ‘البولي أمينات’ أو بروتين eIF5A2 من الخلايا خفضت نمو الخلايا السرطانية بشكل ملحوظ. لكن إعادة ‘سبيرميدين’ أعادت توسع السرطان. يشير هذا بقوة إلى دور حاسم لـ ‘سبيرميدين’ في انتشار الأورام.
يشير عالم الكيمياء الحيوية كيوهاي هيغاشي من جامعة طوكيو للعلوم إلى أن ‘النشاط البيولوجي لـ ‘البولي أمينات’ عبر بروتين eIF5A يختلف بين الأنسجة الطبيعية والسرطانية’.
يوضح هيغاشي: ‘في الأنسجة الطبيعية، يقوم بروتين eIF5A1، الذي تُنشطه ‘البولي أمينات’، بتنشيط ‘مولدات الطاقة في الخلية’ عبر عملية ‘التنظيف الذاتي’. أما في الأنسجة السرطانية، فإن بروتين eIF5A2، الذي تعزز ‘البولي أمينات’ تخليقه، يتحكم في عمل الجينات لتسهيل انتشار الخلايا السرطانية’.
لا تصل هذه الأبحاث إلى حد القول بأن ‘سبيرميدين’ أو ‘البولي أمينات’ بشكل عام تسبب السرطان. بل تكشف أن الخلايا السرطانية، بمجرد بدء المرض نتيجة خلل بيولوجي، تستطيع استغلال فوائد ‘البولي أمينات’ للبقاء والانتشار. استغلال خطير.
تُقدم التفاصيل الإضافية حول أدوار بروتين eIF5A2 وجزيء miR-6514-5p للباحثين فرصة لاختبار أهداف علاجية جديدة. قد تُمكن التغييرات التي تحدثها الأدوية في هذه البروتينات والجزيئات من تعطيل الآليات التي يعتمد عليها السرطان.
كلما جرى تحديد أهداف علاجية جديدة محتملة كهذه، تزداد فرص تطوير أدوية فعالة للسرطان. لكن الحاجة ماسة إلى أبحاث دقيقة لضمان عدم تأثر الخلايا السليمة سلبًا. (تظل هذه النتائج الأولية محصورة حالياً على مزارع الخلايا المخبرية).
يُفيد الباحثون بأن ‘نتائجنا تكشف عن دور مهم لبروتين eIF5A2، الذي تُنظمه ‘البولي أمينات’ وجزيء miR-6514-5p، في انتشار الخلايا السرطانية. يشير هذا إلى أن التفاعل بين eIF5A2 و’مصانع البروتين في الخلية’ (الريبوسومات)، الذي يتحكم في تطور السرطان، يمثل هدفًا علاجيًا انتقائيًا للسرطان’.
نُشر البحث في دورية الكيمياء البيولوجية.









