فن

حكايات النهم: عندما يصبح الأكل التنافسي رياضة جماهيرية عبر العصور

رحلة في تاريخ الإفراط البشري: من آكلي كنت العظام إلى أبطال الآيس كريم

قبل عصر الإنترنت، وقبل أن تتاح لنا متابعة كل غريب وعجيب بضغطة زر، كان الإفراط في الطعام بحد ذاته رياضة جماهيرية، ومادة دسمة لمن يعشقون المآدب الأسطورية والولائم التي تتحدى حدود المعدة البشرية. فلطالما وجد البشر في تحويل النهم إلى فضيلة، أو على الأقل إلى استعراض مثير، متعة خاصة، وهو ما أفرز على مر التاريخ حكايات لا تُصدق عن أبطال في الأكل التنافسي.

في القرن السابع عشر، ذاع صيت مزارع إنجليزي يُدعى نيكولاس وود، والذي عُرف بـ ‘آكل كنت العظيم’. كان وود يلتهم ستين بيضة وربع خروف في وجبة واحدة، وهذا كان أمراً روتينياً بالنسبة له. يروي الشاعر جون تايلور أن وود تناول ذات مرة سبعة دزينات من الأرانب في جلسة واحدة، وهي وليمة قدر تايلور أنها كانت كافية لإطعام 168 جندياً. كان النبلاء يتبارون في المراهنة على قدرة معدته كلما ظهر وود ليأكل علناً في المعارض والمهرجانات. وبنهاية حياته، لم يتبق لوود سوى سن واحدة، فقد فقد معظم أسنانه الأخرى وهو يأكل كتف خروف كاملة، بعظامها وكل شيء.

وبالانتقال إلى العصر الحديث، وتحديداً في مايو 1972، شهد مطعم ‘ناثانز فيموس’ الشهير في كوني آيلاند أول مسابقة له في أكل الهوت دوغ. تنافس فيها المحليون على ابتلاع أكبر عدد ممكن من النقانق في خبزها خلال ثلاث دقائق ونصف، وفاز طالب جامعي من بروكلين يُدعى جيسون شيختر بتناول 14 قطعة. لكن المعايير ارتفعت بشكل جنوني خلال نصف القرن الذي تلا ذلك، فالرقم القياسي الحالي يعود إلى جوي تشستنت، الذي حصد حزام الخردل المرموق من ناثانز عام 2021 بعد أن التهم 76 هوت دوغ في عشر دقائق فقط. طريقته الفريدة تتلخص في كسر كل هوت دوغ إلى نصفين، وغمس الخبز في الماء، ثم يتبع إيقاعاً محدداً: ‘لحم، خبز، بلع، تنفس’.

لم تقتصر ظاهرة النهم على الأفراد، بل امتدت لتشكل تجمعات اجتماعية فريدة. ففي أواخر القرن التاسع عشر، ظهرت في الولايات المتحدة ‘أندية الرجال السمان’، وهي جمعيات ملونة تشكلت على أساس الوزن. كانت هذه المجموعات ترفض أي رجل يقل وزنه عن 200 رطل، وتستضيف فعاليات اجتماعية واحتفالات وزن دورية. ومن غير المستغرب أن هذه المنظمات كانت تنفق جزءاً كبيراً من رسوم عضويتها على الطعام. ففي أحد الاجتماعات، أقام ‘نادي رجال نيو إنجلاند السمان’ وليمة فاخرة ضمت المحار، حساء الدجاج بالكريمة، سمك النهاش المسلوق، لحم البقر بالفطر، دجاج مشوي، خنزير رضيع مشوي، سلطة روبيان، بودينغ فواكه، جبن، كعك، وآيس كريم.

تلك الأندية لم تكن سوى جزء من مشهد أوسع لمسابقات الأكل التي بدأت تتخذ طابعاً رسمياً في الولايات المتحدة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث وردت تقارير عن مسابقات أكل الفطائر في بروكلين وتشيستر بولاية بنسلفانيا. وصف أحد المراسلين مشهداً في بروكلين قائلاً: ‘لقد أطلق عليها اسم بطولة، وتجمع حشد لا بأس به لمشاهدتها. جلس ستة رجال وصبيان شبه بالغين في صف واحد على مسرح صغير وأيديهم خلف ظهورهم وعلى وجوههم تعابير حرج متفاوتة’.

وفي عام 1976، أعلن صالون ‘دكتور جاز’ للآيس كريم في شيكاغو عن إقامة مسابقة لتناول السنداي، وتوافد المتنافسون من كل حدب وصوب. أحد المشاركين من مدينة نيويورك استعد للحدث بالركض وتدليك حلقه ودهن بلعومه بزيت معدني. لكنه كان على المسار الخاطئ تماماً. الفائز بالمسابقة، وهو من شيكاغو ويُدعى هاي بولانسكي، في الستينيات من عمره، ‘تدرب ببساطة عن طريق الأكل’. (بدأ تحضيره منذ الطفولة، حيث قيل إنه كان يتناول أربعة مكاييل من الآيس كريم يومياً). في ‘دكتور جاز’، التهم بولانسكي ثلاثة جالونات من آيس كريم الفانيليا، ومكيالاً من الفدج الساخن، وربع جالون من الكريمة المخفوقة، وحبة كرز واحدة، كل ذلك في عشرين دقيقة.

مقالات ذات صلة