عرب وعالم

تحقيق حقوقي يكشف: إسرائيل تستخدم الذكاء الاصطناعي في “منظومة إبادة” بغزة

تقرير جديد يثير تساؤلات حول دور شركات التكنولوجيا العالمية ومسؤوليتها.

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” تحقيقًا حقوقيًا موسعًا، سلط الضوء على استخدام إسرائيل المكثف لأنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاع غزة. التقرير، الذي حمل عنوان “خوارزميات القتل”، حذر من تحول القطاع إلى ما وصفه بـ”مختبر مفتوح للحرب المؤتمتة”، مشيرًا إلى منظومة إبادة متكاملة تُدار خوارزميًا.

التحقيق، الذي أعدته المحامية رنا ماجد هديب، أكد أن ما يجري في غزة يتجاوز مجرد استخدام أدوات تكنولوجية منفصلة. تحدث عن منظومة تبدأ بجمع البيانات الضخمة، ثم تصنيف السكان رقميًا، وصولًا إلى اتخاذ قرار القتل كـ”عملية حسابية” تُنفّذ بضغطة زر، ما يقلص دور التقدير البشري والمسؤولية الأخلاقية والقانونية.

وكشف التقرير عن انتقال جيش الاحتلال من الاستهداف المعتمد على الاستخبارات البشرية إلى الاستهداف القائم على البيانات. أشار إلى أنظمة ذكاء اصطناعي مركزية، أبرزها نظام “حبسورة” (The Gospel)، الذي يولد مئات الأهداف الجغرافية يوميًا. يعتمد هذا النظام على تحليل صور الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وبيانات التنصت، ليحول الحرب إلى ما وصفه ضباط استخبارات إسرائيليون سابقون بـ”خط إنتاج صناعي للقتل الجماعي”.

كما تطرق التحقيق إلى نظام “لافندر” (Lavender)، وهو نظام لتصنيف البشر يحلل البيانات الشخصية لملايين الفلسطينيين في غزة. يمنح هذا النظام “درجات تهديد” رقمية بناءً على أنماط الاتصال والتحرك والعلاقات الاجتماعية، دون وجود أدلة قانونية. هذا الأمر يحول “الشبهة الرقمية” إلى أساس للاستهداف المباشر، في انتهاك واضح لمبدأي التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني.

وأشار التقرير إلى استخدام أنظمة التتبع الزمني والاستهداف اللحظي، التي تحدد “اللحظة المثلى” لتنفيذ الضربة. غالبًا ما تتم هذه الضربات بينما يكون المستهدف داخل منزله وبين أفراد أسرته، ما أدى إلى قتل جماعي للمدنيين. تقارير صحفية دولية أكدت سماح التعليمات العسكرية بقتل عشرات المدنيين مقابل استهداف شخص واحد مصنف خوارزميًا.

وسلط التحقيق الضوء على الدور المحوري للبنية التحتية السحابية العسكرية، خاصة مشروع “نيمبوس” (Nimbus) الذي تديره شركتا جوجل وأمازون. هذا المشروع وفر قدرات هائلة لتخزين ومعالجة البيانات، ما مكن من تشغيل خوارزميات الاستهداف وتسريع القرار العسكري. كما ذكر التقرير الدور المتقدم لشركة مايكروسوفت عبر خدمات “أزور” (Azure) في تشغيل الخوارزميات وتحليل البيانات والتعرف على الوجوه، ما يجعلها “ممكنًا بنيويًا” للعمليات العسكرية.

الهيئة الدولية “حشد” أكدت أن هذه الشركات لم تعد أطرافًا محايدة. ترى أنها تتحمل مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة، وفق مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. فبالرغم من علمها المسبق باستخدام تقنياتها في عمليات عسكرية تستهدف المدنيين، استمرت في تقديم الخدمات.

التحقيق كشف أيضًا عن عسكرة البيانات الإنسانية. يتم استخدام بيانات المساعدات والتعرف على الوجوه عند المعابر والممرات “الآمنة”، وربطها بأنظمة الاستهداف. هذا يحول محاولات البقاء والحصول على الغذاء والدواء إلى “فخاخ رقمية”، ويجرد العمل الإنساني من حياده.

كما أشار التقرير إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في التضليل الرقمي، عبر التزييف العميق والحسابات الوهمية وخوارزميات إسكات المحتوى الفلسطيني. هذا يساهم في شرعنة المجازر وخلق بيئة إفلات من العقاب. بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم هذه التقنيات في اغتيال قيادات الصف الأول من خلال الاستخبارات الجغرافية والطائرات المسيّرة وأنظمة التعقب المتقدمة.

الهيئة الدولية “حشد” شددت على أن هذه الممارسات تشكل خروقات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وحذرت من أن نجاح هذا النموذج سيجعله قابلًا للتصدير إلى نزاعات أخرى حول العالم، مما يؤسس لسابقة خطيرة في تطبيع “الإبادة المؤتمتة”.

ودعا التحقيق إلى ملاحقة جنائية دولية لا تشمل القادة العسكريين فقط، بل تمتد لتشمل مهندسي الأنظمة ومديري شركات التكنولوجيا المتورطة. طالب كذلك بصياغة تعريف قانوني جديد لـ”المساهمة الرقمية في الإبادة الجماعية”، وفرض حظر دولي على استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي القاتلة دون إشراف بشري جوهري. كما طالب بحماية بيانات الشعوب الواقعة تحت الاحتلال ومنع استخدامها لأغراض عسكرية.

وفي ختام تقريرها، أكدت “حشد” أن ما جرى في غزة يمثل “إنذارًا أخلاقيًا وقانونيًا للعالم”. وحذرت من أن الصمت الدولي إزاء هذه المنظومة يفتح الباب أمام مستقبل تُدار فيه الحروب بآلات عمياء، تنزع الإنسانية عن الضحايا، وتُفلت القتلة من المساءلة.

مقالات ذات صلة