اقتصاد

البنك المركزي الأوروبي يكشف لغز ارتفاع ادخار الأسر: من المستفيد الأكبر؟

تقرير حديث للبنك المركزي الأوروبي يوضح أسباب استمرار معدلات الادخار المرتفعة في منطقة اليورو، مشيرًا إلى دور الدخول غير المتعلقة بالعمل والأسر ذات الدخل الأعلى.

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

يُعد معدل ادخار الأسر مؤشرًا حيويًا على مستويات متعددة، إذ يقدم دلالات واضحة حول الوضع الاقتصادي الراهن، وقد يتنبأ بما هو قادم. وعندما يشهد الادخار ارتفاعًا سريعًا، يبدأ الاقتصاديون في البحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة. قد يزداد الادخار لأسباب احترازية، كأن تتوقع الأسر أوقاتًا عصيبة قادمة، فتسعى لزيادة مدخراتها لمواجهة التحديات. لكن ارتفاع الادخار قد ينجم أيضًا عن نمو الأجور والدخل المتاح في بيئة مستقرة. شهدت السنوات الأخيرة، على سبيل المثال، نموًا ملحوظًا في معدل الادخار بدا غامضًا للوهلة الأولى، مما أثار حيرة الاقتصاديين طويلاً. إلا أن تقريرًا حديثًا صادرًا عن البنك المركزي الأوروبي كشف عن سر هذا اللغز: معدل الادخار أعلى في أوروبا بسبب زيادة الدخول (من أرباح الأسهم والإيجارات والفوائد) لدى فئة محددة جدًا من السكان.

ارتفع معدل ادخار الأسر الأوروبية بشكل حاد بين منتصف عام 2022 ومنتصف عام 2024، ومنذ ذلك الحين، استقر عند مستوى مرتفع تاريخيًا مقارنة بالفترات السابقة. ووفقًا لحسابات القطاعات الفصلية الصادرة عن يوروستات، بلغ متوسط معدل ادخار الأسر، بعد التعديل الموسمي، حوالي 13% بين عامي 1999 و2019.

La tasa de ahorro se mantiene en niveles inusualmente altos en la eurozona.
معدل الادخار في منطقة اليورو. المصدر: البنك المركزي الأوروبي.

بعد قفزة كبيرة خلال الجائحة، عاد المعدل إلى مستويات قريبة من المتوسط التاريخي في الربع الثاني من عام 2022، ثم عاود الارتفاع ليبلغ 15.4% بحلول منتصف عام 2024. ومنذ ذلك الحين، استقر المعدل عند هذا المستوى المرتفع. يقدم هذا التحليل تحديثًا حول تطور معدل ادخار الأسر والعوامل التي دفعته مؤخرًا.

الدخل يدعم الادخار

يبدو الارتفاع الحالي في معدل الادخار مختلفًا هذه المرة. ففي السابق، ارتبطت زيادات الادخار بنمو الأجور الحقيقي (بعد خصم التضخم). ووفقًا للتحليل الإحصائي للبنك المركزي الأوروبي، فإن ارتفاع الدخل الحقيقي، وخاصة دخل العمل، كان المحرك الرئيسي لمعدل ادخار الأسر قبل الجائحة، رغم أن زيادة الاستهلاك الحقيقي قللت من هذا الأثر. لكن الوضع يختلف الآن؛ فقد تسارع نمو الدخل بشكل ملحوظ منذ عام 2022، دون أن يكون للأجور دور يذكر في ذلك (ففي دول مثل إسبانيا، ركدت الأجور الحقيقية). بل إن المركزي جاء “مدفوعًا بشكل رئيسي بمساهمات أكبر من الدخول غير المتعلقة بالعمل، والتي تشمل دخل العمل الحر، وصافي دخل الفوائد، وأرباح الأسهم، والإيجارات، بالإضافة إلى صافي الإيرادات الضريبية المرتبطة بالإجراءات المتخذة استجابة لصدمة أسعار الطاقة”.

يقر البنك المركزي الأوروبي بأن الادخار ارتفع بفضل أسعار الفائدة المرتفعة، التي وفرت عوائد أعلى للمدخرات التقليدية للأوروبيين (مثل الودائع وصناديق سوق المال)، بالإضافة إلى أرباح الأسهم للمساهمين، والدخول العقارية، وعلى رأسها الإيجارات. وبتوضيح أكبر، كما يحلل البنك المركزي الأوروبي، أدت أزمة الإسكان وارتفاع أسعار الإيجارات إلى زيادة الإنفاق على المستأجرين وزيادة الدخل للآخرين.

يوضح البنك المركزي الأوروبي أن “هذه العوامل ربما دفعت معدل الادخار للارتفاع، حيث تتراكم الدخول غير المتعلقة بالعمل بشكل غير متناسب لدى الأسر ذات الدخل المرتفع، التي تتمتع بميل أكبر للادخار”. ورغم تعقيد تحديد وتحليل هذا الارتفاع في الادخار، يتجنب البنك المركزي الأوروبي إصدار تصريحات قاطعة أو وضع تقسيم واضح بين ‘الأغنياء’ و’الفقراء’. ومع ذلك، يؤكد تحليله أن الأسر ذات الدخل الأعلى هي التي ساهمت في رفع معدل الادخار خلال معظم الفترة المشمولة بالدراسة.

عادةً، وكما يتضح من استطلاعات الوضع المالي للأسر، فإن العائلات ذات مستويات الدخل الأعلى غالبًا ما تكون هي نفسها التي تتمتع بتدفق أكبر من الدخول (سواء بالقيمة المطلقة أو النسبية) من أرباح الأسهم أو الفوائد أو الإيجارات. وفي المقابل، يكون صافي الديون أعلى عادةً لدى الأسر ذات الدخل المركزي. لذا، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يضر بالمدينين (حيث تُجبر الأسر ذات الدخل المتواضع على دفع المزيد مقابل ديونها) ويفيد الدائنين (أولئك الذين يمتلكون أصولًا مرتبطة بأسعار الفائدة).

بهذه الطريقة، يشير البنك المركزي الأوروبي بشكل غير مباشر إلى أن زيادة الادخار ارتبطت بشكل أكبر بالأسر ذات القدرة الاقتصادية الأعلى. بمعنى آخر، عندما يأتي نمو الدخل من هذه المصادر (أرباح الأسهم، الفوائد، ودخل رأس المال المنقول والعقاري)، يكون تأثيره على الادخار الكلي أكبر، لأن هذه الأسر لا تعدل استهلاكها بالكامل مع الدخل الإضافي، بل تميل إلى تخصيص جزء كبير منه للادخار.

في المصطلحات الاقتصادية، يُقال عادةً إن الأسر الأكثر ثراءً لديها ميل أقل للاستهلاك وميل أكبر للادخار. ويبدو منطقيًا أن الأسر التي تواجه صعوبات في تغطية نفقاتها تستخدم كل يورو إضافي تكسبه في الاستهلاك (الغذاء، السكن، الملابس، التعليم…) لتحسين مستوى معيشتها. على النقيض من ذلك، فإن الأسر التي لا تواجه قيودًا مالية (تتجاوز دخولها احتياجاتها الاستهلاكية) تميل إلى ادخار نسبة أكبر من كل يورو إضافي تحصل عليه.

دوافع الادخار

وبالمثل، تظهر بيانات الاستطلاعات أن الأسر التي لا تعاني من قيود السيولة (والتي تتزامن عادةً مع الدخول والثروات الأعلى) تولي أهمية أكبر لكل من الدافع الاحترازي (الادخار خوفًا من المستقبل) والدافع الريكاردي (الادخار لتحسين التخطيط الضريبي أو تحسبًا لضرائب أعلى بسبب زيادة الدين العام، على سبيل المثال). وهذا يعني أن لديهم ليس فقط قدرة أكبر على الادخار، بل أيضًا هامشًا أوسع للتخطيط في ظل عدم اليقين المالي أو الاقتصادي. في المقابل، تميل الأسر ذات الدخل الأقل أو القيود المالية الأكبر إلى تعديل استهلاكها بما يتناسب مع الدخل المتاح بشكل أكثر حدة، مما يحد من قدرتها على زيادة الادخار حتى في مراحل تحسن الدخل.

على الرغم من أن الأسر ذات الدخول والثروات الأعلى قادت زيادة معدل الادخار في معظم السنوات الأخيرة، إلا أن معدل الادخار استقر فعليًا منذ منتصف عام 2024. جاء هذا الاستقرار مع تطبيع ديناميكيات الدخل الحقيقي والاستهلاك، حيث عوض النمو الأكبر في دخول العمل (الذي يعكس تعافي الأجور الحقيقية واستدامة التوظيف) التراجع في الدخول غير المتعلقة بالعمل والسحب التدريجي للدعم المالي.

وبعيدًا عن المحددات الاقتصادية الكلية التقليدية (الدخل، الثروة، وأسعار الفائدة)، يشدد البنك المركزي الأوروبي على الدور المحوري لعدم اليقين. فمن خلال استطلاعات الأسر، يخلص البنك إلى أن حوالي نصف المستجيبين يدخرون لأسباب “احترازية” أو “ريكاردية”، أي خوفًا من صعوبات اقتصادية مستقبلية أو لتصورهم أن القرارات المالية الحالية قد تستدعي تعديلات لاحقة. وتزداد حدة هذه الدوافع بين الأسر التي لا تعاني من قيود السيولة (التي تتمتع بقدرة أكبر على التخطيط) وبين من يتوقعون عدم يقين أكبر بشأن وضعهم المالي المستقبلي. في المحصلة، يرى البنك المركزي الأوروبي أن استمرار ارتفاع معدل الادخار يعزى إلى عوامل دورية (ديناميكيات الدخل والثروة) وعوامل سلوكية مرتبطة بعدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، والتي لا تزال تكبح جماح الاستهلاك.

مقالات ذات صلة