فن

«الملحد»: جدية مبالغ فيها تضيع بوصلة الدراما الفكرية

نقد فني يكشف عن جدية مفرطة وتنافر بين المضمون والشكل في معالجة قضية الإلحاد

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في مشهد طريف من فيلم “الملحد”، يسأل العم ابن أخيه الذي أشهر إلحاده، عما إذا كان ملحداً حقاً، ليجيبه الشاب بثقة وسعادة لافتة: “نعم! أنا ملحد جداً!”.

ربما تبدأ الجدية في التلاشي عند هذه النقطة، ليتحول الفيلم إلى عمل أقرب للكوميديا، فكان بالإمكان أن يكون “كوميدياً جداً” لو أدرك صناعه هذه الإمكانية.

حوارات معرض الكتاب

تتبع طريقة أداء الممثلين لجمل الحوار في المشهد السابق، ومعظم مشاهد الفيلم، الأسلوب ذاته؛ حيث يقطب الممثلون جباههم ويلوون شفاههم ويحركون أطرافهم، ويهتفون بالكلمات وكأنهم يخاطبون المتفرج في أقصى الصالة، أو يخشون أن تطغى الموسيقى التصويرية الصاخبة على أصواتهم.

يبدو أن صناع الفيلم يسعون إلى إيصال انطباع بالتعامل مع الموضوع بـ”جدية مفرطة”، أشبه بندوات معرض الكتاب، بدلاً من تقديمه كقصة درامية مشوقة ومسلية، تتناول صراع شخصيات مدفوعة بأسباب شخصية تتشابك مع معتقدات وأفكار دينية وفلسفية. ويبرز هنا، على سبيل المثال، فيلم “Dangerous Methods” الذي يعالج الصراع الفكري والشخصي بين سيغموند فرويد وتلميذه كارل يونغ، أو بشكل أعمق وأكثر تعددية، فيلم “Conclave” الذي يمزج بين صراع الشخصيات والطباع والأخلاق وخلافاتها وشكوكها العقائدية، بأسلوب يخاطب العقل والعاطفة والحواس معاً.

مناخ متشنج

قد تُفهم هذه الجدية المفرطة في تناول صناع فيلم “الملحد” لموضوعهم، في سياق المناخ العام المتشنج الذي يطبع العقلية العربية تجاه القضايا الدينية. وتشمل هذه القضايا، على سبيل المثال، جواز قتل المؤمن للكافر أو جواز مصافحة الرجال للنساء، وغيرها من المسائل “العقائدية” التي تحولت إلى ساحات لـ”الحروب الصغيرة”، على حد تعبير عنوان فيلم مارون بغدادي الشهير.

كما يمكن تفسير هذه الجدية المبالغ فيها ضمن السياق الشخصي لمؤلف سيناريو الفيلم، الكاتب إبراهيم عيسى، المعروف بإثارته للجدل في كل محفل. وقد تجلى ذلك في تسببه بمنع عرض الفيلم لأكثر من عام، بعد أن أثارت تسميته واسم مؤلفه غضب المتشددين، حتى قبل مشاهدة العمل.

لعل “العصبية” التي يتعامل بها الفيلم مع موضوعه تعود إلى حساسية وهشاشة الوضع العام، خصوصاً مع ندرة الأفلام العربية التي تتناول شخصيات ملحدة. إلا أن هذا لا يكفي لتبرير المستوى الفني المتواضع الذي يعاني منه العمل.

العقل والعاطفة

لا ينبع هذا التواضع الفني من ضعف عناصر الفيلم المختلفة بقدر ما هو نتيجة لعدم اتساقها. ففي حين يمكن قبول سيناريو يتسم بالتقريرية و”الذهنية” إذا كان الفيلم يركز على المبارزة العقلية بين الشخصيات، وهو ما يستدعي منطقاً وحواراً قوياً وأداءً تمثيلياً وتصويراً وموسيقى محايدة ومشوقة، مع مسافة معقولة بين الموضوع والجمهور تتيح لهم التفكير والتأمل (مثل فيلم “Conclave” أو العمل الكلاسيكي “12 Angry Men”)، حيث يتقدم العقل على الإحساس.

في المقابل، يعج سيناريو “الملحد” باللامنطقية، ويغلب على حواره التبسيط المدرسي. في الوقت نفسه، تسود بقية العناصر الفنية حالة من الإفراط التعبيري والانفعالي، مما يخلق تنافراً واضحاً بين المضمون والشكل، وبين العناصر الفنية ذاتها.

يعود هذا التنافر إلى أن السيناريو والحوار، بأسلوبهما التقريري الذي يشبه عناوين الصحف، يحولان دون تماهي المشاهد عاطفياً مع الشخصيات والأحداث. وفي المقابل، يمنع التمثيل والتصوير والموسيقى، المفرطون في “عاطفيتهم”، المشاهد من التفكير والتأمل في المبارزات الحوارية، ليصبح الفيلم بذلك عاجزاً عن الوصول إلى العقل أو القلب.

الفيض عن الحد

يستهل فيلم “الملحد” أحداثه بأسلوب أفلام الأكشن؛ حيث تظهر عناوين الفيلم على خلفية شاب يركض بجنون في شوارع القاهرة، بالتزامن مع مشاهد متقطعة لحفل زفاف منزلي يجمع فتاة صغيرة بشاب يكبرها بسنوات. يحضر الحفل أهالي العروسين، الذين يغلب عليهم الالتزام بالشكل الديني المتعارف عليه، من لحى للرجال ونقاب وحجاب للسيدات، مع فصل تام بين الجنسين.

فور انتهاء العناوين، يقتحم الشاب المنزل، ليتضح أن الشاب، ويدعى يحيى (أحمد حاتم)، يحاول منع والده حافظ (محمود حميدة) من تزويج ابنته لأنها قاصر. في المقابل، ينهره الأب، المتصلب الهيئة والملامح، مدعياً أن الزواج صحيح شرعاً، وأنه لا يعترف بالقوانين المدنية الوضعية.

بعد مغادرة المدعوين، تتصاعد حدة الشجار بين الأب وابنه، ليُعلن الابن عن كفره، مما يثير فزع الأب وانهيار الأم (صابرين). وتصل الدراما إلى ذروتها بتهديد الأب لابنه بمنحه ثلاثة أيام فقط للاستتابة، وإلا سيقوم بقتله بنفسه.

تُظهر المشاهد اللاحقة أن الابن طبيب يعمل في أحد المستشفيات، مما يؤكد أنه ليس مراهقاً بل شخص بالغ تجاوز الخامسة والعشرين على الأقل. يبقى التساؤل حول سبب استمراره في العيش بمنزل والديه، رغم كراهيته للأب وعدم رضاه عن حياة التشدد المسيطرة على البيت، خاصة وأنهم ليسوا من الفئات الفقيرة.

كما يتضح أن الأب ليس مجرد متدين متشدد، بل هو واعظ ومؤذن وله أتباع، ويُصنف ضمن الشخصيات التي تسعى لفرض معتقداتها على الجميع. حتى عندما يطلب من أخيه كارم (حسين فهمي) التدخل لإثناء الابن عن كفره، لا يتردد في اتهام أخيه بالكفر لعمله في صنع الأصنام (التماثيل). إنه نمط يوزع “تدينه” الفائض على المارة في الطريق والنائمين في بيوتهم، حرفياً.

“توك شو” الاستتابة

من المفارقات أن قصة الاستتابة خلال ثلاثة أيام تتحول إلى محور الفيلم، وتصبح حديث الحي والمستشفى والبلد بأكملها، وكأنها برنامج “توك شو” يُبث على الهواء مباشرة. فالأب يخبر كل من يقابله بإلحاد ابنه، ويطلب من شيوخ جماعته والمتبحرين في العلم (الذين يظهرون كجماعة منظمة يرتدون الجلابيب البيضاء ويطلقون لحاهم ويتحركون معاً) أن يقوموا باستتابة الابن. في المقابل، يقبل الشاب (الطبيب، المثقف، العقلاني) التحدي، مقتنعاً بقدرته على إقناع المؤمنين بإلحاده. وفي سياق آخر، تحاول الأم والعم ومديرة يحيى في المستشفى (شيرين رضا) وزميلته الشابة (تارا عماد) والطبيب النفسي (أحمد بدير)، وربما الجيران والمعارف أيضاً، إعادته إلى طريق الحق، أو على الأقل إقناعه بادعاء التوبة أمام والده.

لكن الشاب يظهر عناداً شديداً، مصمماً على الاستمرار في إلحاده وتحدي والده وجماعته، بدلاً من المغادرة والعيش في مكان آخر. كما يتضح أن الأب قد حول حياة أسرته إلى جحيم، وتسبب في مصرع جارة متحررة تعيش بمفردها (درة)، مما خلق عقدة نفسية لدى الطفل يحيى، وأثار غضبه المتأخر على والده.

لا تراجع ولا تعاطف

بالتوازي مع العلاقة العائلية التي تجمع الأب حافظ، المتصلب دون فهم، والأم إيمان، الحنونة والدارسة للشريعة (مع ملاحظة الرمزية الذكية للأسماء)، والعم كارم، الليبرالي المؤمن، والابن الحائر يحيى، وحواراتهم الدينية المباشرة، تتكشف متاهة جلسات الاستتابة وحواراتها اللادرامية حول حقيقة وجود الله. هذه الجلسات تتقطع دائماً، في اللحظة الحاسمة، بمواجهة عنيفة بين الابن وأبيه. وفي اثنتين من جلسات الاستتابة، يحاول الأب قتل الابن فيسقط أرضاً؛ في المرة الأولى يُنقل إلى المستشفى حيث يتضح حاجته لزراعة كبد جديد (ليُكشف أن الأب يكفر نقل الأعضاء كما يكفر كل شيء آخر!). وفي المرة الثانية والأخيرة، يسقط ميتاً، ليقوم الابن بالبكاء وإمامة المصلين عليه.

لا داعي للبحث عن المنطق في كل ما سبق، بدءاً بمشهد ركض يحيى لمنع زواج أخته، وكأنه لم يعلم بخبر الزفاف إلا في تلك اللحظة رغم إقامته في المنزل ذاته. ولا داعي للتساؤل عن جلسات الاستتابة وحواراتها الفجة بين طرفين لا يمكن للمشاهد تصديق أي منهما أو التعاطف معه. كما لا يمكن التعجب من مشهد العم الذي يزور ابن أخيه في المستشفى ليخبره بقطعه العلاقة معه و”حظر” اتصاله، ثم يستضيف جلسة الاستتابة في بيته ويتحدث مع يحيى طوال الوقت بعد ساعة واحدة فقط!

لن يجد المشاهد لحظة للتفكير فيما وراء الشاشة خلال هذه المشاهد “الساخنة”. فمثلاً، هل الأب والابن متزنان نفسياً؟ هل يردد الابن قناعاته أم يعبر عن غضبه من والده؟ وهل كان الابن سيلحد أيضاً لو كان الأب أكثر اعتدالاً، كعمه، أم أن آراءه مجرد ردود أفعال عاطفية؟

لا تكمن مشكلة الملحد في فيلم “الملحد” في كونه “ملحداً جداً” أو “نصف ملحد”، فالحياة لا تعرف مثل هذه التصنيفات المطلقة؛ إذ لا يوجد شخص ملحد أو مؤمن بنسبة مئة بالمئة. وكما هو معروف علمياً وتجريبياً، فإن المبالغة في إظهار التقوى أو الإلحاد غالباً ما تشير إلى أن صاحبها يعاني من شكوك داخلية أو مشكلة في إيمانه.

يُعرف المخرج محمد العدل بأسلوبه الميلودرامي المفرط في التعبير. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، وكما سبق الإشارة، هو: هل يتفق هذا الأسلوب مع طبيعة ومضمون الفيلم؟

لنتأمل، على سبيل المثال، المشهد الذي يتوسط الفيلم ويُعد “الماستر سين” درامياً وإبداعياً؛ حيث يداهم الأب وأعوانه شقة الجارة العزباء التي تستضيف رجلاً (يظهر بالكاد في زاوية الإطار). تستعرض كاميرا نزار شاكر هجوم المقتحمين بلقطات مقربة جداً وحركة بطيئة على السلالم ومدخل الشقة، بينما تدوي موسيقى راجح داود العاطفية بصوت مرتفع. تصرخ المرأة معترضة، ويصرخ الأب ويدفعها بيديه، فيما يراقب الابن باكياً، إلى أن تسقط المرأة من الشرفة وتصطدم بأرض الشارع مضرجة بدمائها.

لكن ما العلاقة بين هذا المشهد الميلودرامي الفخم والعنيف، وبين نظرية المحرك الأول أو نظرية الانفجار العظيم التي يناقشها الطبيب الشاب مع الشيوخ الملتحين في جلسات الاستتابة؟

لا يبتسم أحد في هذا الفيلم ليخفف من هول الأمر، ولا يمتنع أحد عن الإدلاء بدلوه في قضية فلسفية شغلت عقول المفكرين والفنانين والعاديين لآلاف السنين دون التوصل لإجابة قاطعة. كان بالإمكان اختصار كل هذا الجدل الذي يتناوله الفيلم في سؤالين: هل “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، أم أن ما أُطلق عليه “حروب الردة” قديماً (لأسباب محددة جداً) يجب أن يستمر في عصرنا بشكل يومي وداخل كل بيت؟

يطرح التساؤل مجدداً: ماذا لو قرر صناع الفيلم تقديمه كعمل كوميدي؟ حينها كان يمكن قبول المبالغة، والهيستيريا، وردود فعل الناس على سفسطات الابن وفتاوى الأب، وسقوطه أرضاً كلما احتدت المناقشة. لكن المشكلة تكمن في أن الأب “مؤمن جداً”، وابنه “ملحد جداً”، والفيلم “جاد جداً”!

مقالات ذات صلة