اقتصاد

الرسوم الأميركية تخنق طموحات صناعة الألعاب الهندية المزدهرة

الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية توقف نمو قطاع الألعاب وتثير قلق المستثمرين.

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

افتتح فيجيندرا بابو، قبل ثلاث سنوات، أكبر مصنع للألعاب في الهند، وهو منشأة ضخمة تمتد على طابقين وتوازي مساحتها ثمانية ملاعب كرة قدم. مثّل هذا المصنع، الواقع قرب بنغالور، نقلة نوعية للقطاع في الهند، بتوفيره مركزاً متكاملاً لتصميم الألعاب وتصنيع قوالب الصلب وإنتاج الألعاب بالكامل.

آنذاك، بدا استثمار بقيمة 30 مليون دولار طموحاً ومبرراً، خاصة مع تضاعف حجم أعمال بابو كل عامين تقريباً. لكن اليوم، يساور المدير الإداري لشركة “مايكرو بلاستيكس” (Micro Plastics) الشك حول صواب قراره. يقول بابو: “كانت لدينا خطط للتوسع. الآن علينا أن نرى كيف سيؤثر هذا على كل ذلك”.

رسوم أميركية تعرقل النمو الهندي

يشير بابو بـ”هذا” إلى الرسوم الأميركية البالغة 50% على البضائع الهندية، والتي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السادس من أغسطس الماضي. جاء هذا الإجراء كعقوبة للهند على استمرارها في شراء النفط الروسي.

لطالما ازدهرت أعمال شركة بابو بفضل عقودها مع شركات عالمية كبرى مثل “هاسبرو” (Hasbro) و”ماتيل” (Mattel) و”سبين ماستر” (Spin Master). كانت الشركة تنتج مسدسات ”نيرف“ (Nerf) وشاحنات ”باو باترول“ (Paw Patrol) وآلاف المنتجات الأخرى التي تجد طريقها إلى المتاجر الكبرى عالمياً.

لكن المشهد اليوم مختلف تماماً؛ فبدلاً من صخب الشاحنات التي كانت تتدفق يومياً على أرصفة التحميل لنقل حاويات منتجات عيد الميلاد، يخيم هدوء غريب على المستودع.

توترات جيوسياسية تلقي بظلالها على التجارة

تمتد صفوف الرفوف من الأرض إلى السقف، محملة بصناديق بلاستيكية زرقاء. كل صندوق مغلف ويحتوي على عينة من محتوياته، مثل بيوت الدمى غير المكتملة، أو المسدسات المائية، أو هياكل السيارات الرياضية المصغرة.

يوضح بابو أن “هذه كلها منتجات نصف مصنعة”. يتصل بابو هاتفياً بمدير مستودع آخر يملكه، يبعد حوالي ساعة، طالباً منه تصوير المصنع الأكبر بنسبة 50% تقريباً. تظهر الصور المزيد من الصناديق المكدسة على الرفوف والأرض، وهي جاهزة للشحن بمجرد انخفاض الرسوم الجمركية. يختتم بابو المكالمة قائلاً: “جميعها عالقة، تنتظر التصدير. لا توجد مساحة كافية لبضائعنا”.

بعد فرض ترمب الرسوم الجمركية، التي تجاوزت الآن تلك المفروضة على الصين، توقفت خطوط التجميع عن إنتاج الألعاب غير المكتملة. أدت هذه السياسة التجارية المتقلبة إلى تجميد الأعمال الجديدة في جميع أنحاء الهند، حيث علّق عملاء بابو طلباتهم أو ألغوها بالكامل.

توقف مؤقت وإعادة تقييم للاستراتيجيات

يُقدر بابو قيمة البضائع العالقة لديه بنحو 20 مليون دولار، بالإضافة إلى طلبات جديدة بقيمة 15 مليون دولار معلقة. ويعلق على الوضع قائلاً: “إنها أشبه بفترة توقف مؤقتة بينما نعيد صياغة استراتيجيتنا… لكن هذه الأمور لا تُنجز بين عشية وضحاها”.

لطالما استند منطق التصنيع العالمي لعقود إلى مبادئ البساطة: التكلفة المنخفضة، والسرعة، والإنتاج في الصين. لكن الحروب التجارية التي شهدتها ولاية ترمب الأولى غيرت هذه المعادلة تماماً، ما دفع الشركات الغربية إلى البحث عن مراكز تصنيع بديلة.

كان الطلب من الشركات الأميركية قوياً لدرجة أن بابو، بدعم من استثمارات رأس المال الخاص، أنجز هذا العام بناء منشأة جديدة بمساحة 23 ألف متر مربع بجوار مصنعه الحالي. هذه المنشأة لا تزال خاوية، ويقول بابو عنها: “كان ينبغي أن نفتتحها، وأن نستقبل الآلات فيها”.

محادثات تجارية بين واشنطن ونيودلهي

بعد أن كان بابو يتوقع نمواً بنسبة 40% في عام 2025، بات يتوقع الآن انخفاضاً بنسبة 15%، مع استعدادات لمزيد من التراجع في عام 2026. وللحفاظ على استمرارية خطوط التجميع وتجنب تسريح 2000 عامل لديه، وافق على تصنيع المنتجات بسعر التكلفة لبعض عملائه القدامى.

يؤكد بابو أن “مصير الطلبات الحالية بالغ الأهمية، لأنه سيحدد إنتاج العام المقبل”. ويضيف أن الإلغاءات الأخيرة أدت إلى “تجميد جميع خطط التوسع لدينا”.

المهارة اليدوية الهندية: “ورقة ترمب”

بالانتقال شمالاً، على بُعد ثلاث ساعات طيران قرب نيودلهي، تتضح عدم منطقية ادعاء ترمب بأن الرسوم الجمركية ستعيد وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة. يعرض أميتاب خارباندا، مالك مصنع ألعاب ”صن لورد“ (Sunlord)، ما يسميه بفخر “ورقة ترمب” الخاصة بشركته، وهو قسم الأعمال اليدوية الذي يستحيل تكراره في أميركا.

تجلس عشرات النساء، يرتدين أثواباً زاهية، في صفوف منتظمة، يخطن يدوياً خيوطاً من الصوف الأصفر بطول 90 سم لتشكيل رؤوس دمى ”إلسا“ القماشية من فيلم ديزني “فروزن”. تقوم بعضهن بقص الشعر وتمشيطه وتضفيره يدوياً بدقة فائقة على شكل ذيل سمكة معقد، في عملية شاقة تستغرق نحو 40 دقيقة لشعر الدمية الواحدة.

تتطلب كل دمية حوالي أربع ساعات من العمل اليدوي، بدءاً من خياطة الفستان الأزرق المطرز بالخرز والعباءة المصنوعة من التول، وصولاً إلى حشو جسم الدمية القماشي وتطريز العينين والفم والأنف. يؤكد خارباندا: “لا يمكن نقل هذه العملية إلى أميركا بسعر تجاري مجدٍ”. فبينما تُباع دمية ”إلسا“ بالتجزئة بحوالي 60 دولاراً، يتلقى عمال المصانع في الهند نحو 20 ألف روبية (220 دولاراً) شهرياً.

تحديات التكلفة والمهارة في التصنيع الأميركي

لو دفعت شركة أميركية الحد الأدنى للأجور الفيدرالي، البالغ 7.25 دولار في الساعة (وهو أعلى في معظم الولايات)، فإن تكلفة العمل اليدوي وحدها ستقارب نصف سعر بيع اللعبة بالتجزئة. هذا في قطاع يحصل فيه تجار التجزئة عادة على ثلث السعر النهائي أو أكثر.

يأتي هذا التقدير بافتراض قدرة العمال الأميركيين على بلوغ مستويات المهارة التي يتمتع بها 225 عاملاً وعاملة في المصنع الهندي، حيث يتمتع 70% منهم بخبرة تزيد عن 25 عاماً. يؤكد خارباندا: “يجب أن يتم هذا العمل يدوياً، وكلما زادت الخبرة، كانت النتائج أفضل. يستحيل فعل ذلك عبر أي نوع من أنواع الأتمتة”.

تتمتع الهند بخبرة طويلة في التعامل مع الرسوم الجمركية، إذ كانت لعقود من أكثر الاقتصادات حماية في العالم. يرى منتقدو “نظام التراخيص” – وهي الفترة التي تلت استقلال عام 1947 واشترطت فيها الحكومة تراخيص لجميع الأنشطة التجارية – أن محدودية انفتاح البلاد على الاقتصاد العالمي أدت إلى تراجع كفاءة المصانع وانخفاض إنتاجيتها.

“خطة العمل الوطنية للألعاب” تعزز الصناعة المحلية

في عام 1991، شهدت الهند انفتاحاً اقتصادياً واسعاً، وبحلول أوائل الألفية الثانية، غمرت الواردات، ومعظمها من الصين، رفوف متاجر الألعاب. وفي خطوة لدعم القطاع، أطلقت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي في عام 2020 “خطة العمل الوطنية للألعاب”. تضمنت الخطة رفع الرسوم الجمركية على الألعاب المستوردة من 20% إلى 70%، وفرض شهادات سلامة ومعايير جودة لتعزيز قدرة الصناعة على التصدير.

شهدت الواردات انخفاضاً حاداً، بينما سارع المصنعون المحليون لملء الفراغ، ما أدى إلى ارتفاع مبيعاتهم الخارجية. منذ إطلاق الخطة، نمت صادرات الهند من الألعاب والمنتجات الرياضية بنسبة 42%، لتصل إلى 571 مليون دولار، وفقاً للبيانات الحكومية. ويتوقع القطاع أن تبلغ الصادرات 3 مليارات دولار بحلول عام 2030. للمزيد عن الاقتصاد الهندي

تحديات وفرص في السوق الهندية

على الرغم من ذلك، لم تتجاوز صادرات الهند من الألعاب إلى الولايات المتحدة 100 مليون دولار العام الماضي، وهو رقم ضئيل مقارنة بـ11 مليار دولار للصين و3 مليارات دولار لفيتنام. ورغم توفر الأيدي العاملة في الهند بكثرة وبأسعار زهيدة، حيث يتجاوز إجمالي القوى العاملة 600 مليون شخص (ما يقارب ضعف عدد سكان الولايات المتحدة)، فإن التحديات لا تزال قائمة.

تعاني البلاد من نقص في الخبرة الفنية وضعف في سلسلة التوريد، ما يدفعها غالباً لاستيراد المكونات الأساسية، مثل الأقمشة الاصطناعية المتخصصة والإلكترونيات وحتى عيون الدمى والدببة، وغالباً ما يكون مصدرها الصين.

وبخلاف فيتنام، التي يعتمد فيها مصنعو الألعاب بشكل كبير على المكونات ورأس المال الصيني، تتسم العلاقة بين الهند والصين بالتوتر، ما أدى إلى تراجع حماس رواد الأعمال في البر الرئيسي للتعاون.

يؤكد خارباندا ضرورة تغيير هذا الوضع، مشيراً إلى أن الشركات الأميركية نقلت الإنتاج والمعرفة إلى الصين على مدى عقود. ويرى أن الوقت قد حان لتلقي الهند دعماً مماثلاً، مضيفاً: “علينا أن نتعلم من الأفضل”.

تعاون محلي لتعزيز القدرة التنافسية

في ظل هذه التحديات، يعمل رواد الأعمال الهنود على توحيد مواردهم المحدودة. فقد انضم خارباندا إلى اثنين من منافسيه المحليين لإنشاء منشأة مشتركة للقطع بالليزر. استأجروا مساحة 2500 متر مربع بجوار أحد المصانع، ويخططون لتشغيلها على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لزيادة الكفاءة. يشرح خارباندا آلية عمل الليزر: تُفرد قطعة قماش مخملية رمادية، مطبوعة بنقاط على شكل آذان وخراطيم فيلة، على منصة، ثم يُطلق شعاع ليزر أحمر موجه بالكمبيوتر، ليترك أثراً رفيعاً من الدخان أثناء قطع التفاصيل بدقة وسرعة تفوق العمل اليدوي.

الابتكار والتعاون: استراتيجية الهند لمواجهة التحديات

يسعى خارباندا وشركاؤه إلى تشغيل 20 آلة ليزر مطلع العام المقبل، مع آمال بجذب علامات تجارية أجنبية. كما يعمل الشركاء على إنشاء مصنع مشترك آخر في ولاية بيهار الشرقية، إحدى أفقر مناطق الهند. يتوقعون البدء بـ300 ماكينة خياطة لتصنيع منتجات للسوق المحلية، مع خطط للتوسع إلى 1000 ماكينة خلال سنوات قليلة. يقول خارباندا: “لسنا في منافسة مع بعضنا البعض. هدفنا هو توسيع نطاق الأعمال في الهند، وليس فقط في مصنعنا. فالنمو الاقتصادي يفيد الجميع”.

يُبدي كل من خارباندا وبابو تفاؤلاً حذراً، بغض النظر عن التطورات في البيت الأبيض. فبينما يرغبان في الوصول إلى السوق الأميركية الضخمة، يؤكدان قدرتهما على التكيف والتركيز على السوق الهندية إذا ما استمرت الرسوم الجمركية مرتفعة. فالهند، رغم أنها لا تزال تواجه تحديات اقتصادية، تضم أكثر من 350 مليون طفل، ومئات الملايين من الأسر التي تتوق لتدليلهم.

ويلخص خارباندا استراتيجيتهم قائلاً: “الخطة الأولى هي إلغاء الرسوم الجمركية. الخطة الثانية هي البدء بتوسيع الأسواق. الخطة الثالثة هي التركيز على السوق الهندية… نأمل بالأفضل، لكننا نستعد للأسوأ”.

مقالات ذات صلة