صلاح ذو الفقار: فارس الشاشة وبطل الوطن.. 30 عامًا على رحيل أيقونة الفن والانضباط
في ذكرى رحيله.. مسيرة استثنائية جمعت بين البطولة العسكرية والتألق الفني والإنسانية العميقة

اليوم، الثاني والعشرون من ديسمبر، يوافق ذكرى رحيل الفنان الكبير صلاح ذو الفقار، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 1993، تاركًا وراءه مسيرة حياة استثنائية جمعت بين البطولة العسكرية والتألق الفني والإنسانية العميقة.
صلاح ذو الفقار
وُلد صلاح الدين أحمد مراد ذو الفقار في الثامن عشر من يناير عام 1926 بمدينة المحلة الكبرى، لأسرة جمعت بين التقاليد العسكرية العريقة والسمات الأرستقراطية. كان والده، الأميرالاي أحمد بك مراد ذو الفقار، من كبار قيادات وزارة الداخلية، بينما تنتمي والدته نبيلة هانم إلى أصول فرنسية. نشأ صلاح، الابن الخامس بين أشقائه، على قيم الانضباط وحب الوطن، وبرزت موهبته الرياضية مبكرًا، ليصبح أحد أبطال مصر في الملاكمة، ويتوج ببطولة كأس الملك لوزن الريشة عام 1947.
صلاح ذو الفقار
امتثالًا لرغبة والده، التحق صلاح ذو الفقار بكلية الطب بالإسكندرية، لكن مساره تغير بعد مرض والده، ليحول أوراقه إلى كلية البوليس. هناك، لمع اسمه أكاديميًا ورياضيًا، وتخرج عام 1946. خدم في مديرية أمن المنوفية، ثم في مصلحة السجون وسجن مصر، قبل أن يصبح مدرسًا بكلية الشرطة منذ عام 1949. عُرف ذو الفقار بين زملائه بكونه ضابطًا يجمع بين الانضباط والشجاعة وحسن المعاملة.
صلاح ذو الفقار
بداية صلاح ذو الفقار
يُخلد التاريخ المصري اسم صلاح ذو الفقار كأحد أبطال معركة الإسماعيلية في الخامس والعشرين من يناير عام 1952، حيث واجه رجال الشرطة بأسلحتهم المتواضعة قوات الاحتلال البريطاني المدججة بالدبابات والمدافع. صمد الصاغ الشاب بين رفاقه في هذه الملحمة البطولية التي أسفرت عن سقوط خمسين شهيدًا وعشرات الجرحى، لتُصبح ذكرى هذا اليوم عيدًا رسميًا للشرطة المصرية. بعد سنوات، وخلال العدوان الثلاثي عام 1956، قاد ذو الفقار مجموعة من طلاب أكاديمية الشرطة كقوة كوماندوز لمقاومة الهجوم، تقديرًا لبطولاته، نال نوط الواجب العسكري من الطبقة الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر.
صلاح ذو الفقار
الصدفة الكبرى قادته إلى عالم الفن حين أقنعه شقيقه المخرج عزالدين ذو الفقار بخوض تجربة التمثيل، بعد حصوله على تصريح خاص من وزير الداخلية. ظهر للمرة الأولى في فيلم «عيون سهرانة» أمام النجمة شادية، ورغم ارتباك “حضرة الصاغ” أمام الكاميرا، إلا أن السينما “نادته” كما صرح لاحقًا. بعد هذا الفيلم، جاء دور “حسين” في «رد قلبي» ليضعه مباشرة على طريق النجومية، حيث جمعت شخصية الضابط بين وسامته وخفة ظله وانضباطه، ليصبح أحد أبرز الوجوه الجديدة في نهاية الخمسينيات.
أعمال صلاح ذو الفقار
شهدت فترة الستينيات انطلاقة صلاح ذو الفقار الكبرى، حيث قدم خلالها أعمالًا سينمائية أصبحت علامات خالدة في تاريخ السينما المصرية، منها «الرجل الثاني»، «الأيدي الناعمة»، «جميلة»، «الناصر صلاح الدين»، «غروب وشروق»، و«الرجل الذي فقد ظله».
ورغم نجاحه الباهر في أدوار الفتى الوسيم خفيف الظل، تمرد ذو الفقار على النمطية، واعتزل التمثيل لأشهر قبل أن يقدم على إنتاج فيلم «أغلى من حياتي» عام 1964 بنفسه، ليكشف عن قدراته كممثل درامي يمتلك طاقات متجددة.
صلاح ذو الفقار
لم تقتصر مسيرة صلاح ذو الفقار الفنية على السينما وحدها، بل امتدت لتشمل أكثر من 250 عملًا في السينما والمسرح والتليفزيون والإذاعة. من أبرز أعماله الدرامية التلفزيونية: «رأفت الهجان»، «عائلة الأستاذ شلش»، «بلا خطيئة»، «مفتش المباحث»، و«رحلة عذاب». كما تألق على خشبة المسرح في أعمال مثل «رصاصة في القلب»، «روبابيكيا»، «زوجة واحدة لا تكفي»، و«عازب وثلاث عوانس».
صلاح ذو الفقار
بصفته منتجًا، قدم ذو الفقار أعمالًا سينمائية مهمة أثرت المشهد الفني، منها «رسالة من امرأة مجهولة»، «صراع الأبطال»، و«شيء من الخوف». كما أنتج فيلم «أريد حلًا» الذي أحدث ثورة تشريعية في قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة، ونال عنه جائزة الدولة الأولى في الإنتاج. وقد اختير عدد من أفلامه ضمن قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية.
وعلى الرغم من مسيرته الفنية الزاخرة بالأضواء، ظل صلاح ذو الفقار محافظًا على سلوك الضابط في انضباطه واحترامه للمواعيد. وقد جسد دور الضابط في أكثر من 23 عملًا طوال مسيرته، بفضل ما يمتلكه من صدق في الأداء وقدرة على تكوين ملامح واقعية للشخصية.
صلاح ذو الفقار وشادية
أما علاقته بالفنانة الكبيرة شادية، فقد تجسدت في قصة حب حقيقية بدأت على الشاشة وامتدت إلى الواقع، حيث شكّلا معًا ثنائيًا فنيًا استثنائيًا. قدما أفلامًا لا تزال من أحب الأعمال لدى الجمهور، منها: «مراتي مدير عام»، «عفريت مراتي»، «لمسة حنان»، «أغلى من حياتي»، و«كرامة زوجتي». عاشا سنوات من السعادة، لكن حلم شادية بالأمومة ومعاناتها المتكررة مع الإجهاض تركا أثرًا نفسيًا عميقًا، مما أدى إلى انفصالهما عام 1972. ومع ذلك، ظلا صديقين وزملاء يتبادلان التقدير والاحترام.
صلاح ذو الفقار وشادية
مرت حياته الزوجية بأربع محطات؛ الأولى كانت عام 1947 بزواجه من السيدة نفيسة بهجت، والدة ولديه أحمد ومنى، وظلت على ذمته حتى وفاتها رغم انفصالهما شكليًا. أما زواجه من الفنانة زهرة العلا، فدام ثمانية عشر شهرًا وانتهى بالطلاق. الزواج الثالث كان من شادية، ثم كانت زوجته الأخيرة بهيجة مقبل التي بقيت معه حتى وفاته، وأوصى أبناءه بها.
صلاح ذو الفقار وزهرة العلا
رحيل صلاح ذو الفقار
في ديسمبر عام 1993، رحل صلاح ذو الفقار عن عالمنا عن عمر ناهز السابعة والستين، بينما كان يصور مشاهده الأخيرة في فيلم «الإرهابي» مع الفنان عادل إمام. أصيب بأزمة قلبية مفاجئة، وحاول “الزعيم” تأجيل المشهد أملًا في تعافيه، لكن القدر لم يمهله. سقط ذو الفقار في لحظة درامية، لتُنهي بذلك رحلة فارس نبيل عاش حياته مخلصًا للفن والوطن.
صلاح ذو الفقار
لم يغب صلاح ذو الفقار عن ذاكرة الوطن، فظل اسمه حاضرًا بما قدمه من عطاء وطني وفني نادر. وبعد سنوات من رحيله، جاء تكريم الدولة ليؤكد مكانته الرفيعة، حيث كرّم الرئيس عبد الفتاح السيسي اسم الفنان الراحل خلال احتفالية عيد الشرطة الحادية والسبعين في يناير 2023. جاء هذا التكريم تقديرًا لتاريخه الوطني المشرف ودوره كأحد أبطال الشرطة المصرية، إلى جانب مسيرته الفنية الثرية، وتسلمت أسرته التكريم نيابة عنه.









