فن

مبدعون كانوا عسكريين: حين يخلع الجنرال قبعته ليكتب قصيدة

كتاب جديد يقتفي أثر الفن في حياة رجال الانضباط، من يوسف السباعي إلى ثروت عكاشة.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

بين خطوط الانضباط الصارمة التي ترسمها البزّة العسكرية، وأفق الخيال الجامح الذي لا يعترف بالحدود، تكمن مسافة شاسعة. لكن هناك أرواحًا عبرت تلك المسافة. رجالٌ عاشوا حياتين في حياة واحدة، فخلعوا القبعة العسكرية ليرتدوا قناع الممثل، أو ليمسكوا بقلم الروائي. هذه الحكايات المدهشة هي ما يجمعها كتاب «مبدعون كانوا عسكريين» للكاتب محمد السيد محمد، الصادر عن دار «كنور»، في رحلة لاستكشاف كيف يمكن للفن أن يولد من رحم النظام.

حبرٌ على بزّة عسكرية

يفتح الكتاب صفحاته على مصائر متناقضة. يقدم لنا الأديب الذي تقلّد أرفع المناصب، فكان فارسًا في الميدان وفي عالم الكلمة. هو يوسف السباعي، الذي أسرت رواياته قلوب الملايين وتحولت لأيقونات سينمائية، لكنها لم تقنع النقاد المتجهمين. مفارقة موجعة. انتهت حياته برصاص الغدر في قبرص، لتُكتب نهاية درامية لرجل عاش بين السيف والقلم. وعلى مقربة منه، يقف ذلك الروائي الذي نهلت السينما من أعماله بنهمٍ في نصف حياته الأول، قبل أن يتوارى في الظل، تاركًا خلفه سؤالًا كبيرًا عن سر ذلك الخفوت.

أضواء خلف المتاريس

لم يقتصر الإبداع على الكلمة المكتوبة. كان هناك ضباط رأوا في الفن مهمة وطنية لا تقل شأنًا عن حماية الحدود. يروي الكتاب قصة الفارس الاستثنائي الذي حمل على عاتقه معركة بناء الوعي، فأنقذ كنوز النوبة من الغرق وأسس صروحًا ثقافية لا تزال شامخة. إنه الضابط الذي أدرك أن قوة مصر الحقيقية تكمن في فنونها. وفي زاوية أخرى، تظهر حكاية الطيار الذي قادته الصدفة إلى عالم التمثيل. حياة صاخبة عاشها بين الأضواء والظلال، فتداخلت فيها أدوار الجاسوسية وتجارة السلاح مع قصص زواج بلغت الخمسة عشر. أي حياة صاخبة تلك! ثم هناك ذلك الملحن الذي كتب أغنية لسيدة الغناء العربي، فكانت سببًا في إنهاء مسيرته العسكرية بقرار من عبد الناصر. لحنٌ واحد كان أقوى من رتبته.

جسدٌ منضبط وروحٌ حرة

من الميدان العسكري إلى ميادين الرياضة، تبدو المسافة أقصر. فالجسد الذي تعلّم الانضباط في التدريبات الشاقة، هو نفسه الذي حطم الأرقام القياسية. يتوقف الكتاب عند سبّاح القرن، وبطل العالم الذي رسّخ رياضة كمال الأجسام في مصر، ليثبت أن العضلات يمكن أن تكون أداة للجمال لا للحرب فقط. كما يمر على سيرة القائد المهيب للفرقة الرابعة المدرعة في حرب أكتوبر، ذلك الجنرال الذي لم تمنعه قسوة المعارك من أن يكون له وجه آخر أدبي وفني. لقد كانوا رجالًا فهموا أن الروح لا يمكن حبسها داخل زي موحد، وأن الإبداع هو أسمى أشكال الحرية. الكتاب ليس مجرد سرد لسير ذاتية، بل هو شهادة عميقة على أن الإنسان أعقد من أي تصنيف. هو تأمل في تلك الشرارة التي لا تنطفئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *