فن

صوت أم كلثوم يعود… لكن بوجهٍ أثار العاصفة

فيلم 'الست' يضع منى زكي في قلب جدل ثقافي قبل عرضه، بين الدفاع عن الرؤية الفنية والتمسك بصورة الأيقونة الخالدة.

في لحظة خاطفة، انطلق الإعلان التشويقي لفيلم “الست”. ومضة سريعة على الشاشات. لكنها كانت كافية لإشعال عاصفة رقمية. ظهر وجه منى زكي يحمل ملامح أم كلثوم، أو هكذا كان يُفترض. هنا، توقف الزمن للحظة. انقسمت الآراء، وتصاعد الجدل كأنه لحن نشاز في حضرة سيمفونية خالدة. لم تكن الانتقادات مجرد آراء عابرة، بل كانت صدى لذاكرة جماعية تتمسك بشدة بصورة أيقونتها، كوكب الشرق، التي لم تكن مجرد مطربة، بل جزءًا من نسيج الروح العربية.

الفيلم، الذي يحمل توقيع الكاتب أحمد مراد والمخرج مروان حامد، يعد رحلة طموحة في حياة “ثومة”، بكل ما فيها من أضواء وعتمة، وبمشاركة كوكبة من النجوم تضم محمد فراج ونيللي كريم. يأتي هذا العمل السينمائي الضخم بعد ربع قرن من المسلسل التلفزيوني الذي حفر شخصية أم كلثوم في الوجدان، وفي الذكرى الخمسين لرحيلها، ما يجعله محط أنظار وترقب، وربما… محاكمة فنية مبكرة.

رؤية من وراء حجاب

من بين الأصوات التي ارتفعت، كان هناك صوت يحمل ألفة خاصة مع الشخصية. الفنانة صابرين، التي عاشت في عباءة أم كلثوم لثلاثين حلقة كاملة، تحدثت بهدوء الخبير. لم تهاجم، بل دافعت عن مساحة الإبداع. وصفت منى زكي بأنها ممثلة “شاطرة جداً”، مؤكدة أن السينما لغة مختلفة تمامًا عن التلفزيون. الفيلم، كما تراه، سيقدم معالجة مغايرة، رؤية جديدة قد لا تتطابق مع ما استقر في الأذهان، وهذا هو جوهر الفن. “أحمد مراد كتب عملاً عظيماً، ومروان حامد سيقدم تجربة ضخمة”، قالتها بثقة، مضيفةً لمسة من الدعم الشخصي: “أنا أنتظر مشاهدة العمل؛ لأنه سيكون كبير ومختلف”.

محاكمة من ومضة

لكن هل يمكن الحكم على سيمفونية من نوتة واحدة؟ هذا هو السؤال الذي طرحته الناقدة ماجدة موريس بغضب المحب للفن. وصفت الهجوم بأنه “غير مبرر”، وكأنه تربص فني يستدعي أشباح الماضي، من مسلسل “السندريلا” إلى فيلم “أصحاب ولا أعز”. لمحت إلى أن هناك من يتربص بالعمل من الداخل أو الخارج، وأن “ثورة السوشيال ميديا قد تدمر أعمالاً” قبل أن تولد. بالنسبة لها، فإن دقائق قليلة من إعلان تشويقي لا يمكن أن تختزل ثلاث ساعات من السينما التي يبدعها مخرج بحجم مروان حامد. “البرومو لن يمثل الفيلم”، قالتها بحسم، مشبهة الموقف بفساد حالة فردية لا تعني فساد المنظومة بأكملها. إنه دفاع عن حق العمل الفني في أن يُرى كاملاً قبل أن يُحكم عليه.

صورة لا تشبه الأصل

على الضفة الأخرى، وقف الجمهور ومعه بعض النقاد، لا ليحكموا على الفيلم، بل ليعبروا عن إحساس بالخيبة. وليد سيف، أستاذ السينما، لخص المعادلة الصعبة: “فنياً لا يجوز الحكم… وحسياً يجب احترام آراء الجمهور”. أم كلثوم ليست مجرد شخصية تاريخية؛ إنها إرث عربي، وصورتها الذهنية منحوتة في الوجدان. البرومو، برغم جودته الفنية، استفز هذا الوجدان بصورة شكلية بدت بعيدة كل البعد عن تلك الهيبة التي رسخت في الوجدان العربي على مدى عقود، والتي يمكن تلمس أبعادها في سيرتها الحافلة.

الناقد أحمد السماحي كان أكثر حدة، واصفًا الإعلان بـ”الباهت”. شعر أن التركيز المفرط على الشكل الخارجي، والتصريحات التي سبقت العرض عن الاستعانة بخبراء مكياج عالميين، ضاعفت من حجم الصدمة. “لأول مرة يتوحد جمهور السوشيال ميديا بهذا الشكل”، علّق السماحي، مشيراً إلى أن الانقسام كان السمة السائدة في قضايا فنية سابقة. ومع ذلك، لم يغلق الباب تمامًا، بل اعتبر المشروع “مغامرة كبيرة”، ووضع ثقته في الموسيقى التصويرية التي سيقدمها هشام نزيه، الذي وصفه بأحد عباقرة الموسيقى في مصر. ربما تكون الموسيقى هي الروح التي غابت عن الصورة. يبقى المسرح مهيأً، والستارة لم تُرفع بعد عن الحقيقة الكاملة لـ “الست”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *