اقتصاد

كارثة وانغ فوك كورت: تحليل اقتصادي لأخطر حريق في تاريخ هونغ كونغ الحديث

كيف أدى تجاهل 16 تحذيراً حكومياً واستخدام مواد بناء رخيصة إلى مقتل 128 شخصاً، وماذا يعني ذلك لمستقبل الإسكان في المدينة؟

تجاوز عدد ضحايا حريق مجمع “وانغ فوك كورت”، الذي بلغ 128 قتيلاً مؤكداً، كارثة مبنى “غارلي” التجاري عام 1996 بأكثر من ثلاثة أضعاف، ليتحول من مجرد حادث مأساوي إلى مؤشر صارخ على فشل منظومي يضرب جذوره في اقتصاديات البناء ومعايير السلامة المتهاونة في واحدة من أكثر مدن العالم كثافة سكانية. هذه الكارثة لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة متوقعة لسلسلة من القرارات التي فضّلت التكلفة المنخفضة على سلامة الأرواح، وهو ما تكشفه البيانات الأولية بشكل واضح.

تحليل حريق هونغ كونغ

1. 140 سيارة إطفاء مقابل شبكة من الخيزران والبوليسترين

بدأ الحريق في الساعة الثالثة عصراً، وهو توقيت يرفع من احتمالية وجود عدد كبير من السكان في منازلهم، خاصة كبار السن والأطفال. إن انتشار النيران عبر سبعة أبراج سكنية بهذه السرعة لم يكن ممكناً لولا طبيعة المواد المستخدمة في عملية التجديد، حيث شكلت سقالات الخيزران التقليدية وشبكات البوليسترين شديدة الاشتعال هيكلاً عملاقاً من الوقود يحيط بالمباني. استدعت السيطرة على الحريق حشد أكثر من 140 سيارة إطفاء و800 رجل إطفاء، وهي تعبئة ضخمة تعكس حجم الفشل في الوقاية الأولية؛ فبينما كانت السلطات تستثمر في قدرات الاستجابة للطوارئ، كانت ممارسات البناء تخلق ظروفاً تتجاوز قدرة أي استجابة على الاحتواء الفعال. لقد تحولت الواجهات الخارجية من درع واقٍ إلى فتيل أشعل الكارثة.

2. 16 تحذيراً حكومياً تم تجاهله: سجل من الإخفاقات التنظيمية

قبل وقوع الكارثة، أصدرت وزارة العمل 16 تحذيراً مكتوباً لشركة “بريستيج كونستركشن أند إنجنيريغ” المسؤولة عن التجديدات، وهو رقم لا يمثل مجرد إهمال، بل نمطاً متعمداً لتجاهل اللوائح. كان آخر هذه التحذيرات قبل أسبوع واحد فقط من الحريق، مما يطرح سؤالاً حتمياً حول فعالية آليات الرقابة الحكومية التي تكتفي بالتحذير دون فرض إجراءات تصحيحية فورية أو إيقاف العمل. إن القبض على ثلاثة من كبار مسؤولي الشركة بتهمة القتل غير العمد هو نتيجة مباشرة لهذا الإخفاق، لكنه لا يعفي الجهات التنظيمية من مسؤوليتها. هل يمكن تبرير استمرار مشروع بناء بهذه الخطورة في مجمع يقطنه 5000 إنسان؟

تحليل حريق هونغ كونغ

3. من كارثة 1953 إلى مأساة 2024: دروس تاريخية لم تُستوعب

تاريخ هونغ كونغ الحديث تشكّل بفعل كوارث الحرائق؛ فحريق مخيم “شيك كيب مي” العشوائي عام 1953، الذي شرّد عشرات الآلاف، كان المحفز الأساسي لإنشاء برنامج الإسكان العام الحكومي. واليوم، وبعد أكثر من 70 عاماً، يقع حريق “وانغ فوك كورت” في مجمع سكني مدعوم من الحكومة نفسها، مما يمثل مفارقة مؤلمة. المقارنة مع حريق مبنى “غارلي” عام 1996 (41 قتيلاً) تظهر أن حجم الكارثة الحالية أكبر بكثير، ليس فقط في عدد الضحايا، بل في كونها وقعت في مبانٍ سكنية بالكامل وليس في مبنى تجاري متعدد الاستخدامات. هذا التحول يسلط الضوء على أن الخطر انتقل إلى قلب النسيج الاجتماعي للمدينة، حيث يفترض أن تكون المنازل هي الملاذ الأكثر أماناً.

4. اقتصاديات الخيزران: هل تنهي هذه المأساة قرناً من التقاليد الخطرة؟

يعود استخدام سقالات الخيزران في هونغ كونغ لأكثر من قرن، وهو خيار مدفوع بتكلفته المنخفضة التي تقل عن الفولاذ بنسبة كبيرة، ومرونته في التكيف مع المساحات الضيقة بين الأبراج الشاهقة. ومع ذلك، فإن قابليته الشديدة للاشتعال تجعله خياراً عالي المخاطر، وهو ما أثبتته هذه الكارثة وحرائق سقالات أخرى وقعت مؤخراً. ورغم تحرك الحكومة البطيء نحو اعتماد السقالات المعدنية، فإن هذه المأساة قد تكون نقطة التحول التي تجبر الصناعة على التخلي عن ممارسة تقليدية أصبحت عبئاً على السلامة العامة. إن التكلفة الحقيقية للخيزران لم تعد تُقاس بسعر السوق، بل بعدد الأرواح التي حصدها الحريق، وهو ثمن باهظ للغاية. لمزيد من التفاصيل حول تحقيقات الحريق، يمكن مراجعة تقارير وكالات الأنباء العالمية.

في النهاية، بينما تبدأ السلطات في التعامل مع التحدي اللوجستي المتمثل في إعادة إسكان آلاف الأشخاص في سوق عقاري هو من بين الأغلى عالمياً، يبقى السؤال الأهم: هل ستؤدي هذه الكارثة إلى مراجعة شاملة وحقيقية لمنظومة البناء والسلامة في هونغ كونغ، أم ستتحول إلى مجرد رقم آخر في سجل المآسي الحضرية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *