عرب وعالم

ألمانيا تعيد رسم خريطة الدفاع الأوروبي: خطة سرية لمواجهة روسيا

من الحرب الباردة إلى التحديات الجديدة، برلين تستعد لدورها المحوري في قلب دفاعات الناتو، وتكشف عن خطة عملياتية شاملة كانت طي الكتمان.

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

في مجمع عسكري بالعاصمة برلين، بدأت ألمانيا بتفعيل خطة عملياتية شاملة، كانت حتى وقت قريب طي الكتمان. الخطة، التي وضعها 12 ضابطاً رفيع المستوى قبل عامين ونصف، تستعد لسيناريو اندلاع حرب مباشرة مع روسيا. هذا التحرك يعيد إلى الأذهان ديناميكيات الحرب الباردة، لكنه يأتي في سياق جيوسياسي أكثر تعقيداً وخطورة، حيث لم تعد المواجهة مجرد احتمال نظري، بل فرضية يجري الاستعداد لها بأقصى سرعة.

تستند هذه الاستراتيجية الدفاعية، التي كشفت عنها صحيفة “وول ستريت جورنال”، إلى تحذيرات رسمية ألمانية من أن موسكو قد تكون جاهزة لمهاجمة دولة عضو في حلف شمال الأطلسي بحلول عام 2028. وبالتالي، فإن “خطة العمليات الألمانية” ليست مجرد وثيقة، بل هي خارطة طريق تهدف إلى ضمان استجابة فورية ومنسقة في أوقات الأزمات، متجاوزة القيود الدستورية والبيروقراطية التي طالما كبلت التحركات العسكرية الألمانية في حقبة ما بعد الحرب.

### ألمانيا: محور لوجستي للدفاع الأوروبي المشترك

تضع الخطة ألمانيا في قلب أي مواجهة مستقبلية، ليس كخط مواجهة أول، بل كمركز لوجستي حيوي لا يمكن الاستغناء عنه. الوثيقة المكونة من 1200 صفحة تحدد دور ألمانيا كمنصة عبور رئيسية لقوات الحلف. ستتحرك عبر أراضيها أعداد هائلة من الجنود والمعدات. تتحدث الخطة عن نقل ما يصل إلى 800 ألف جندي من قوات الناتو شرقاً نحو جبهات القتال المحتملة.

هذا الدور يعكس حقيقة جغرافية لا مفر منها، فأوروبا مصممة بطريقة تجعل من ألمانيا ممراً إلزامياً لأي تحرك عسكري واسع النطاق. لكن الخطة تتجاوز مجرد تسهيل العبور؛ فهي تتبنى “نهج المجتمع بأكمله”، الذي يدمج القدرات المدنية والعسكرية معاً لضمان تزويد القوات بالوقود والإمدادات وتوفير الحماية اللازمة لها أثناء تحركها عبر شبكة معقدة من الطرق السريعة والسكك الحديدية والموانئ.

> **هذا التحول الاستراتيجي لا يمثل مجرد تعديل عسكري، بل يعكس إعادة توجيه نفسي عميق في برلين، وإقراراً بأن “عائد السلام” الذي ساد حقبة ما بعد الحرب الباردة قد انتهى بشكل قاطع.**

### تحديات الواقع: من البيروقراطية إلى البنية التحتية

رغم طموح الخطة، يواجه المخططون العسكريون عقبات ميدانية كبيرة. فالبنية التحتية التي صُممت في زمن السلم لم تعد قادرة على تلبية متطلبات الحرب الحديثة. خلال تدريب أجرته شركة “راينميتال” الدفاعية، كشفت عملية بناء مخيم ميداني لـ500 جندي عن مشكلات لوجستية بسيطة لكنها حاسمة، مثل عدم قدرة الأرض على استيعاب المركبات العسكرية والحاجة إلى تعديل إشارات المرور لتسهيل حركة القوافل.

تتفاقم هذه التحديات بسبب البيئة القانونية والتنظيمية. قوانين حماية البيانات تقيد جمع المعلومات، والتشريعات البيئية تفرض قيوداً على حركة الطائرات العسكرية المسيّرة. على سبيل المثال، يلزم القانون الألماني تزويد هذه الطائرات بأضواء تحديد المواقع، مما يجعلها أهدافاً سهلة في ساحة المعركة ويحد من فعاليتها العملياتية. كما أن هناك حاجة ملحة لاستعادة المهارات المفقودة، حيث يستعين الجيش حالياً بضباط متقاعدين لتدريب الجيل الجديد على فنون التخطيط اللوجستي التي أُهملت لعقود.

الطريق السريع A44، الذي بني جزء منه ليكون مهبطاً للطائرات في حالات الطوارئ خلال الحرب الباردة، يعاني اليوم من تدهور بنيته. موانئ البلاد تحتاج إلى صيانة تقدر بـ15 مليار يورو. حادثة اصطدام سفينة بجسر للسكك الحديدية في فبراير 2024 أدت إلى تعطل كامل لحركة الشحن العسكري من ميناء نوردينهام، وهو ما أجبر القوات على إعادة توجيه شحنات الذخيرة الحيوية عبر ميناء بولندي، في مثال صارخ على هشاشة البنية التحتية الحالية.

### التهديدات الداخلية: مواجهة التخريب وحماية الجبهة الداخلية

لا تقتصر التحديات على الجانب اللوجستي، بل تمتد إلى الأمن الداخلي. تدرك القيادة الألمانية، التي أنشأت قيادة إقليمية جديدة في عام 2022 بقيادة اللواء أندريه بوديمان، أن أي صراع مستقبلي سيشمل هجمات تخريبية وعمليات حرب هجينة تستهدف شل حركة القوات قبل أن تصل إلى الجبهة.

تمرين “ريد ستورم برافو” الذي أجري في هامبورج كشف عن هذه المخاطر. واجهت القوات المشاركة سيناريوهات تحاكي هجمات بالطائرات المسيّرة واحتجاجات مدنية منظمة. في إحدى الحالات، تأخرت قافلة عسكرية لمدة ساعتين بسبب محتجين استخدموا الغراء لإغلاق الطريق. هذه ليست مجرد تدريبات، فألمانيا تتعامل بالفعل مع هجمات تخريبية تستهدف شبكة السكك الحديدية والبنية التحتية الحيوية. وتجري أجهزتها الأمنية آلاف الفحوصات سنوياً للعاملين في القطاعات الحساسة لمنع الاختراق.

توضح هذه الوقائع أن نجاح الخطة الألمانية لا يعتمد فقط على حشد الجيوش، بل على تأمين الجبهة الداخلية وتعزيز مرونة المجتمع بأكمله في مواجهة تهديدات مصممة خصيصاً لاستغلال نقاط الضعف في المجتمعات المفتوحة. للمزيد من المعلومات حول استراتيجيات الناتو الجديدة، يمكن الاطلاع على تقارير [حلف شمال الأطلسي الرسمية](https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_130655.htm).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *