دواء الميتفورمين: كيف يعيد اكتشاف علمي لدواء قديم الأمل لمرضى السكري من النوع الأول؟
دراسة حديثة تكشف أن الميتفورمين يقلل الحاجة للإنسولين، ولكن ليس بالطريقة التي توقعها العلماء، مما يفتح آفاقاً جديدة لإدارة المرض.

هل يمكن لدواء قديم ورخيص، يعود تاريخه إلى قرن من الزمان، أن يغير قواعد اللعبة بالنسبة لملايين المصابين بالسكري من النوع الأول؟ تشير دراسة علمية حديثة إلى أن الإجابة قد تكون نعم، ولكن بطريقة لم يتوقعها أحد. فقد كشفت الأبحاث أن دواء “الميتفورمين”، المستخدم على نطاق واسع لعلاج السكري من النوع الثاني، يقدم فائدة غير متوقعة لمرضى النوع الأول تتمثل في تقليل احتياجاتهم اليومية من الإنسولين.
السكري من النوع الأول هو حالة من أمراض المناعة الذاتية. يهاجم فيه الجهاز المناعي خلايا البنكرياس المنتجة للإنسولين ويدمرها. هذا يعني أن المرضى يعتمدون كلياً على حقن الإنسولين الخارجية للبقاء على قيد الحياة. هذا الاعتماد يفرض عبئاً جسدياً وذهنياً هائلاً، حيث يتطلب من المريض اتخاذ ما يقارب 180 قراراً إضافياً يومياً لإدارة حالته الصحية.
لسنوات، استخدم بعض الأطباء الميتفورمين بشكل غير رسمي (off-label) مع مرضى السكري من النوع الأول، بناءً على فرضية أنه يحسن حساسية الجسم للإنسولين، تماماً كما يفعل مع مرضى النوع الثاني. لكن تجربة سريرية جديدة، نُشرت نتائجها في مجلة Nature Communications، دحضت هذه الفكرة الراسخة. أظهرت التجربة أن الميتفورمين لا يقلل من مقاومة الإنسولين لدى هؤلاء المرضى. لكنه، وبشكل مفاجئ، نجح في خفض جرعة الإنسولين اليومية المطلوبة بنسبة 12%.
قد تبدو نسبة 12% متواضعة، ولكنها في عالم إدارة السكري تمثل إنجازاً مهماً. لماذا؟ لأن تقليل جرعات الإنسولين هو هدف رئيسي للمرضى والأطباء على حد سواء. الاستخدام طويل الأمد للإنسولين بجرعات عالية يمكن أن يؤدي إلى زيادة الوزن، ويرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، والتي تعد أحد الأسباب الرئيسية للوفاة بين المصابين بالسكري من النوع الأول.
أجرى فريق من معهد جارفان للأبحاث الطبية في أستراليا أول تجربة عشوائية محكومة لتقييم هذا التأثير بدقة. قام الباحثون بتقسيم 40 مريضاً بالغاً إلى مجموعتين، تلقت إحداهما الميتفورمين والأخرى دواءً وهمياً لمدة ستة أشهر. وباستخدام تقنية “اختبار المشبك” (euglycemic clamp)، وهي المعيار الذهبي لقياس حساسية الإنسولين، وجدوا أن الدواء لم يؤثر على مقاومة الإنسولين في الكبد أو العضلات. ومع ذلك، لاحظ الفريق انخفاضاً ملحوظاً في كمية الإنسولين التي يحتاجها المرضى للحفاظ على استقرار نسبة السكر في الدم.
هذه النتيجة تطرح سؤالاً محورياً: إذا لم يكن الميتفورمين يعمل عبر تحسين حساسية الإنسولين، فما هي آليته البيولوجية الدقيقة؟ يعتقد الباحثون الآن أن الإجابة قد تكمن في الجهاز الهضمي. تشير أدلة متزايدة إلى أن الميتفورمين قد يؤثر على تركيبة بكتيريا الأمعاء، أو ما يعرف بـ الميكروبيوم المعوي. بدأ الفريق بالفعل في دراسة كيفية تغير هذا الميكروبيوم لدى مرضى السكري من النوع الأول عند استخدام الدواء، وهي زاوية بحثية جديدة قد تفسر هذا التأثير الإيجابي.
إن تمكين المرضى من خفض جرعات الإنسولين مع الحفاظ على ضبط مستويات الجلوكوز يمثل تحولاً كبيراً في إدارة السكري من النوع الأول. هذه النتائج قد تؤسس لمرحلة جديدة من العلاجات التي تدمج أدوية منخفضة التكلفة مثل الميتفورمين إلى جانب الإنسولين، بدلاً من الاعتماد الكامل عليه. إن فهم الآلية الحقيقية لعمل الدواء قد يفتح الباب مستقبلاً لتصميم علاجات أكثر استهدافاً وفعالية، مما يحسن جودة حياة الملايين حول العالم الذين يتعايشون مع هذا المرض المزمن.








