
في مشهد يعكس تعقيدات سوق الطاقة، شهدت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا، مدعومة بشكل أساسي بقوة لافتة في أسواق المشتقات المكررة، مثل البنزين والديزل، التي عوضت ضعف مؤشرات سوق الخام. هذا الصعود، وإن بدا للوهلة الأولى متناقضًا، يشي بديناميكيات عميقة تستحق التحليل.
الخام: صعود حذر
ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 1.5%، ليلامس مستوى 61 دولارًا للبرميل، مسجلًا مكاسب لليوم الثالث على التوالي. هذا التحرك الصعودي، بحسب شركة الاستشارات “إنرجي أسبكتس”، لم يكن مدفوعًا بقوة جوهرية في سوق الخام نفسه بقدر ما هو نتاج لارتفاع علاوات أسعار الوقود ونشاط المتداولين الفنيين، ما قد يدفع إلى مزيد من عمليات الشراء في الأيام المقبلة. يبدو أن السوق يبحث عن أي إشارة إيجابية ليتمسك بها.
مخاطر الصعود
يوضح جيمس تايلور، رئيس قسم التحليل الكمي في “إنرجي أسبكتس”، أن “المشتريات الكبيرة من مستشاري تداول السلع فوق مستوى 64.50 دولار تجعل ميزان المخاطر مائلاً نحو الاتجاه الصعودي”. ومع ذلك، يضيف تايلور أن التقلبات قد تبقى محدودة بسبب التدفقات بغرض التحوط من قبل المتعاملين، ما يشير إلى حذر مستمر في التعامل مع المكاسب.
ضغوط المعروض: تحدٍ مستمر
على النقيض من هذا الصعود، تخلفت أسعار النفط هذا العام وسجلت خسائر لثلاثة أشهر متتالية، نتيجة توقعات بحدوث فائض في المعروض. هذا الفائض يعود جزئيًا إلى تخفيض تحالف “أوبك+” قيود الإنتاج، في وقت زاد فيه المنتجون من خارج التحالف إمداداتهم، ما يضع ضغطًا هيكليًا على الأسعار. هذا التباين بين التوقعات والواقع الفوري يثير تساؤلات حول استدامة أي ارتفاع.
ضعف “الباكورديشن”
تقلّص الفارق الفوري لعقود خام غرب تكساس الوسيط إلى علاوة بلغت 7 سنتات فقط للبرميل بين أقرب عقدين، وهو ما يُعرف بـ”الباكورديشن” (Backwardation). هذا التقلص يشير إلى ضعف في هيكل الأسعار الصعودي، ويعكس بوضوح توقعات السوق بزيادة المعروض، ما يجعله مؤشرًا مهمًا على ضعف الثقة في المدى القريب.
قوة المشتقات: المحرك الخفي
مع ذلك، ظلت أسواق المنتجات المكررة قوية بشكل لافت، إذ ارتفعت علاوات أسعار الوقود، وسجلت مؤشرات الديزل في أوروبا أعلى مستوياتها منذ أوائل العام الماضي. هذه القوة، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية الأوسع التي تظل كامنة في الخلفية، ساعدت في دعم أسعار الخام، مظهرة كيف يمكن لجزء من سلسلة التوريد أن يحمل العبء الأكبر.
الديزل: كلمة السر
يؤكد تاماس فارغا، المحلل لدى شركة “بي في إم”، أن “من المنصف القول إنه لولا الدعم القوي من سوق المنتجات المكررة لكانت أسعار الخام أقل”. ويضيف فارغا أن تقلّص الفارق السعري بين العقود القريبة والآجلة في خامي برنت وغرب تكساس أصبح ملحوظًا، لكنه يرى أنه “ما لم تهبط سوق المنتجات المكررة بقوة – وهو أمر يصعب التنبؤ به – فإن أي تراجع كبير في الأسعار الفعلية يبدو غير مرجّح”. هذا التحليل يضع الديزل في قلب المعادلة الحالية.
تقارير مرتقبة وتوقعات مستقبلية
تترقب الأسواق تقارير مهمة هذا الأسبوع، حيث من المقرر أن تصدر منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” تقريرها الشهري للسوق يوم الأربعاء، بالتزامن مع نشر وكالة الطاقة الدولية تقريرها السنوي، على أن تصدر تحديثها الشهري الخميس. تتوقع وكالة الطاقة الدولية، على سبيل المثال، فائضًا قياسيًا في المعروض خلال عام 2026، ما يرسم صورة مستقبلية مليئة بالتحديات لسوق النفط العالمي.
في الختام، يبدو أن سوق النفط يعيش حالة من التجاذب بين ضغوط المعروض الكبيرة من جهة، والدعم القوي وغير المتوقع من أسواق المشتقات المكررة من جهة أخرى. هذا التوازن الهش يجعله عرضة للتقلبات، مع ترجيح استمرار قوة المنتجات المكررة في دعم الأسعار على المدى القصير، بينما تظل تحديات الفائض الهيكلي تلوح في الأفق على المدى المتوسط والطويل. يبقى السؤال: إلى متى يمكن للمشتقات أن تحمل عبء الخام؟







