سباق خفض الفائدة.. كيف تجذب سندات الأسواق الناشئة كبار المستثمرين؟
في تحول تاريخي، التضخم في الدول الناشئة يتراجع بوتيرة أسرع من الاقتصادات المتقدمة، مما يغير قواعد اللعبة للمستثمرين العالميين.

في تحول نادر لم تشهده الأسواق العالمية منذ عقود، يتجه كبار مديري الأصول نحو سندات الأسواق الناشئة، مدفوعين بظاهرة انعكاس اتجاهات التضخم التي تمنح هذه الاقتصادات ميزة تنافسية فريدة. مؤسسات كبرى مثل “مورغان ستانلي” و”ناينتي ون” تعيد تموضعها للاستفادة من موجة صعود متوقعة في الديون السيادية بالعملات المحلية، في ظل قناعة متزايدة بأن بنوكها المركزية تملك مساحة أوسع لخفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من نظيراتها في الغرب.
هذا السيناريو، إن تحقق، سيضيف زخمًا جديدًا للأداء القوي الذي حققه المستثمرون بالفعل هذا العام. فبينما حققت سندات الأسواق الناشئة بالعملات المحلية متوسط عائد بلغ 7%، متفوقة على سندات الخزانة الأمريكية، تجاوزت المكاسب في أسواق بعينها مثل المجر والبرازيل ومصر نسبة 20%، مما يعكس ثقة متنامية في استقرارها النسبي وقدرتها على تحقيق عوائد مجدية.
انقلاب في موازين التضخم
المحرك الرئيسي لهذا التفاؤل هو التباطؤ الحاد في وتيرة التضخم بالأسواق الناشئة. فلأول مرة منذ 35 عامًا، باستثناء فترة اضطرابات الجائحة، تسجل أسعار المستهلكين في هذه الدول نموًا أبطأ من نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة لربعين متتاليين. ويشير محللون إلى أن هذا التحول ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل قد يمثل فرصة هيكلية لسوق السندات، حيث يمكن للسياسات النقدية أن تصبح أكثر دعمًا للنمو دون إثارة مخاوف تضخمية.
وفقًا لبيانات “بلومبرغ”، تراجع متوسط التضخم السنوي في الأسواق الناشئة إلى 2.47% خلال الربع الثالث من العام، وهو أدنى مستوى له منذ أوائل 2021. في المقابل، ارتفع المعدل في الاقتصادات المتقدمة إلى 3.32%، وهو فارق يعزز جاذبية سندات الأسواق الناشئة كأداة استثمارية توفر عوائد حقيقية مرتفعة.
جاذبية العوائد الحقيقية
بدأت العديد من الدول بالفعل في دورة التيسير النقدي، حيث خفضت المكسيك وبولندا أسعار الفائدة، ويُتوقع أن تلحق بهما دول أخرى مثل تركيا والهند قبل نهاية العام. ومع ذلك، تسير معظم البنوك المركزية بحذر، محافظةً على أسعار فائدة حقيقية (المعدل الاسمي مطروحًا منه التضخم) عند مستويات مرتفعة تاريخيًا. ففي البرازيل، يبلغ سعر الفائدة الحقيقي نحو 10%، وفي تركيا حوالي 7%، مما يوفر للمستثمرين وسادة أمان قوية ضد التقلبات.
يقول غرانت ويبستر، الخبير في ديون الأسواق الناشئة لدى “ناينتي ون”: “إن معدلات الفائدة الحقيقية في الأسواق الناشئة هي من بين الأعلى منذ أكثر من عقدين. هذه العوائد لا تجذب الباحثين عن الدخل الثابت فحسب، بل تدعم أيضًا العملات المحلية”، وهو ما يفسر المكاسب القوية التي سجلها الريال البرازيلي والفورنت المجري مقابل الدولار هذا العام.
مخاطر محسوبة وآفاق واعدة
بطبيعة الحال، لا يعني هذا أن سندات الأسواق الناشئة محصنة تمامًا ضد المخاطر الخارجية، خاصة تقلبات الدولار الأمريكي. إلا أن مراقبين يرون أن أي ارتفاع إضافي للعملة الأمريكية سيكون محدودًا، في ظل ترجيحات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيواصل مسار خفض الفائدة العام المقبل. حتى المستثمرون الذين يتوقعون بقاء الدولار قويًا يواصلون المراهنة على هذه الديون، مستهدفين تحقيق مكاسب من فروق أسعار الفائدة.
في المحصلة، يبدو أن التحول في ديناميكيات التضخم العالمي قد أعاد رسم خريطة الاستثمار، واضعًا الأسواق الناشئة في قلب المشهد. فلأول مرة منذ فترة طويلة، تبدو هذه الأسواق أقل مخاطرة نسبيًا، مما يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية مستدامة لا تقتصر على السندات فحسب، بل تمتد لتشمل أسواق الأسهم أيضًا، التي بدأت تستفيد من تضييق فجوة المخاطر مع نظيراتها في الاقتصادات المتقدمة.







