فن

سومر شحادة: حين تجد الرواية السورية في القاهرة ملاذها الآمن

من رحم المأساة السورية، الروائي سومر شحادة يختار القاهرة كمركز ثقافي لإطلاق أعماله، مؤكداً أن الأدب الحقيقي يكمن في التفاصيل لا العناوين الكبرى.

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في قسم الفن.

في خضم التحولات العميقة التي تعصف بالمنطقة، يبرز صوت الروائي السوري سومر شحادة، الحائز على جائزة نجيب محفوظ المرموقة، كنموذج للكاتب الذي ينطلق من قلب الواقع المأزوم ليبحث عن أفق إبداعي وإنساني أرحب. لا يمثل اختيار شحادة للقاهرة كمنصة لنشر أعماله مجرد قرار تجاري، بل هو انعكاس لقناعة راسخة بدور مصر كحاضنة ثقافية تاريخية وكمساحة حيوية للقراءة والنقد في العالم العربي.

القاهرة.. ليست مجرد سوق نشر

يرى شحادة أن المشهد الثقافي المصري يوفر ما هو أبعد من مجرد التوزيع والانتشار. ففي حديثه على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب، أكد أن مصر تمتلك “مجتمع قراءة حقيقي”، وهو ما يمنح الكاتب شعورًا بالأمان والتقدير. هذا التوجه نحو القاهرة ليس فرديًا، بل يمثل ظاهرة أوسع لدى العديد من المبدعين العرب الذين يجدون في بيئتها الثقافية مختبرًا للأفكار وتفاعلًا نقديًا يفتقرون إليه في بلدانهم. فالقاهرة لا تزال مركز إشعاع ثقافي يمنح الكلمة وزنها وقيمتها.

ويضيف محللون ثقافيون أن هذا الاختيار يعزز من مكانة مصر كـ”رئة يتنفس منها الإبداع العربي” في أوقات الأزمات. يقول الناقد الأدبي د. حسين حمودة: “إن لجوء كاتب بحجم شحادة إلى النشر في مصر يؤكد أن قوتها الناعمة لم تخفت، وأنها ما زالت الوجهة الأولى لمن يبحث عن قارئ واعٍ وسوق نشر يمتلك بنية تحتية راسخة قادرة على إيصال صوته إلى أبعد مدى”.

أدب التفاصيل في مواجهة الحرب

ينأى سومر شحادة في أعماله عن التأريخ المباشر للحرب السورية، مفضلًا الغوص في “التفاصيل” الإنسانية التي صنعتها المأساة. فبدلاً من العناوين الكبرى والصراعات السياسية، يركز سرده على الشخصيات المعقدة التي شكلتها الظروف القاسية، والتي يصعب الحكم عليها بمعايير الخير والشر المطلقة. هذا المنهج الفني، بحسب مراقبين، هو ما يمنح الأدب قدرته على البقاء وتجاوز اللحظة الآنية للحدث.

إن الكتابة عن الحرب من منظور إنساني دقيق هو الخيار الأصعب، لكنه الأكثر تأثيرًا، لأنه يعيد للضحايا أصواتهم الفردية ويحولهم من مجرد أرقام في نشرات الأخبار إلى حكايات إنسانية حيّة. هذا ما يجعل من أعمال شحادة، مثل ثلاثيته التي تدور أحداثها في اللاذقية، وثيقة أدبية عميقة عن التحولات الاجتماعية والنفسية التي خلفها الصراع.

مشروع أدبي يكتمل ورؤية للمستقبل

مع قرب صدور روايته الجديدة “الهجران” عن دار الكرمة المصرية، يضع شحادة اللبنة الأخيرة في “ثلاثية اللاذقية”، وهو مشروع أدبي طموح يرصد تحولات المدينة الساحلية عبر شخصياتها وبيوتها. هذا الإصرار على استكمال مشروعه يعكس نضجًا ورؤية واضحة لمساره الإبداعي، الذي بدأه بقرار مصيري بترك دراسة الهندسة من أجل التفرغ للكتابة.

وفي ختام حديثه، بدا موقفه من استخدام الذكاء الاصطناعي في الإبداع حاسمًا، حيث اعتبر أن الكتابة “صوت داخلي” لا يمكن للآلة محاكاته. هذا الموقف لا يعبر فقط عن تحفظ تقني، بل يؤكد إيمانه بمركزية التجربة الإنسانية كجوهر للعمل الفني، وهو ما يمثل حجر الزاوية في مشروعه الأدبي بأكمله.

إن تجربة سومر شحادة، بمسارها الجغرافي من اللاذقية إلى القاهرة والشارقة، وبتركيزها الفني على الإنسان في مواجهة مصيره، تقدم شهادة بليغة على أن الأدب الجيد قادر على عبور الحدود، ليس فقط ليصل إلى القراء، بل ليصنع حوارًا أعمق حول معنى الهوية والوطن والذاكرة في زمن التحولات الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *