الحديد يواصل الصعود والأسمنت يتراجع.. تباين يربك سوق مواد البناء في مصر
تحليل لأسباب ارتفاع أسعار الحديد مقابل تراجع الأسمنت، وتأثير ذلك على قطاع التشييد والمستهلكين في مصر.

شهدت سوق مواد البناء في مصر، اليوم الأحد، تباينًا ملحوظًا في حركة الأسعار، حيث واصلت أسعار الحديد والأسمنت مسارات متضاربة أثارت تساؤلات في أوساط المقاولين والمطورين العقاريين. ففي الوقت الذي سجلت فيه أسعار حديد التسليح ارتفاعات جديدة، شهدت أسعار الأسمنت تراجعات محدودة، مما يعكس حالة من عدم اليقين التي تخيم على القطاع الحيوي.
صعود جماعي لأسعار الحديد
وفقًا للبيانات الصادرة عن بوابة الأسعار المحلية التابعة لمجلس الوزراء، قفز متوسط سعر طن الحديد الاستثماري ليصل إلى 38,367 جنيهًا، بزيادة قدرها 367 جنيهًا. كما ارتفع سعر حديد عز، الأكثر تأثيرًا في السوق، ليسجل نحو 40,320 جنيهًا للطن، بزيادة بلغت 654 جنيهًا عن أسعار الأمس. ويرى مراقبون أن هذا الارتفاع المتواصل يرتبط بشكل مباشر بأسعار المواد الخام عالميًا وتكاليف الطاقة، فضلًا عن تأثره بأي تغيرات في سعر صرف العملات الأجنبية.
وتشير هذه الزيادات إلى استمرار الضغوط التضخمية على قطاع التشييد، الذي يعتمد بشكل أساسي على الحديد كمدخل إنتاج رئيسي. ويُرجّح محللون أن تنعكس هذه الارتفاعات على التكلفة النهائية للمشروعات العقارية، سواء الحكومية أو الخاصة، مما قد يؤثر على وتيرة التنفيذ أو على الأسعار النهائية للمستهلكين.
الأسمنت.. استقرار نسبي وتراجعات محدودة
على النقيض تمامًا، أظهرت أسعار الأسمنت حركة هبوطية، حيث سجل سعر طن أسمنت حلوان تراجعًا بمقدار 130 جنيهًا ليصل إلى 3,942 جنيهًا. ويأتي هذا التراجع في ظل وفرة المعروض المحلي من الأسمنت، حيث تتمتع مصر بفائض إنتاجي كبير، مما يجعل أسعاره أكثر ارتباطًا بآليات العرض والطلب الداخلية مقارنة بالحديد. هذا الفائض يمنح السوق مرونة أكبر في مواجهة تقلبات التكلفة ويخلق بيئة تنافسية بين الشركات المصنعة.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي، الدكتور هاني جنينة: “إن التباين بين أسعار الحديد والأسمنت يعكس اختلاف هيكل التكلفة لكل منهما. فسوق الحديد أكثر حساسية للمتغيرات العالمية، بينما سوق الأسمنت محكومة بالديناميكيات المحلية. هذا الوضع يضع المطورين العقاريين أمام تحدي موازنة التكاليف، وقد يدفعهم إلى إعادة جدولة بعض المشروعات انتظارًا لاستقرار الأسعار”.
تأثيرات ممتدة على الاقتصاد
إن استمرار هذا التباين في أسعار الحديد والأسمنت لا يلقي بظلاله على قطاع المقاولات فحسب، بل يمتد تأثيره إلى مؤشرات اقتصادية أوسع. فارتفاع تكلفة البناء قد يبطئ من نمو القطاع العقاري، الذي يعد أحد قاطرات النمو الاقتصادي في مصر، كما يؤثر على خطط التنمية العمرانية والمشروعات القومية الكبرى التي تعتمد على هذه المواد بشكل مكثف.
وفي المحصلة، تبدو سوق مواد البناء المصرية وكأنها تقف عند مفترق طرق. فبينما يمثل استقرار أسعار الأسمنت عامل طمأنة نسبي، فإن الارتفاع المستمر في أسعار الحديد يظل التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع، مما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة السوق على استيعاب هذه المتغيرات والتكيف معها.







