الأخبار

السيسي في بروكسل: تعزيز الشراكة المصرية الأوروبية بوابة للاستثمار الإقليمي

قمة مصرية أوروبية تاريخية تفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي

صحفية في قسم الأخبار بمنصة النيل نيوز، تتابع عن قرب المستجدات المحلية

شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل اليوم حدثًا اقتصاديًا بارزًا، تزامنًا مع القمة المصرية الأوروبية الأولى، بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. الحدث أكد على الأهمية المتزايدة لـ الشراكة المصرية الأوروبية كركيزة للاستقرار والتنمية الإقليمية، وفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمارات الأوروبية في مصر.

شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الأربعاء، في العاصمة البلجيكية بروكسل، بفعاليات الحدث الاقتصادي المصاحب لـ القمة المصرية الأوروبية الأولى. جاء ذلك بحضور لافت من رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي، أورسولا فون دير لاين، ما يعكس الثقل السياسي والاقتصادي لهذا التجمع.

الوفد المصري رفيع المستوى ضم الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين في الخارج، والدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، بالإضافة إلى المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية. هذا الحضور المتخصص يؤكد على الأبعاد المتعددة للعلاقات الثنائية.

المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية أوضح أن الحدث شهد مشاركة واسعة النطاق، تجاوزت 300 من رؤساء وممثلي أكثر من 60 شركة أوروبية كبرى. كما حضر 100 شركة مصرية بارزة، و15 مؤسسة تمويل دولية، إلى جانب ممثلين عن الهيئات الاقتصادية لدول الاتحاد الأوروبي.

هذا التجمع الكبير من الفاعلين الاقتصاديين يؤشر إلى اهتمام أوروبي متزايد بـ الاستثمار في مصر، ورغبة مصرية في جذب رؤوس الأموال والخبرات لتعزيز نموها الاقتصادي، في ظل سعي الجانبين لتعميق الروابط الاستراتيجية والاقتصادية.

وفي كلمته الختامية للحدث، أعرب الرئيس السيسي عن سعادته بالتواجد في بروكسل، مؤكدًا أن هذا التجمع الاقتصادي يمثل محطة نوعية في مسار الشراكة المصرية الأوروبية. وأشار إلى تزامن الحدث مع القمة الأولى بين الجانبين، ما يضفي عليه أهمية استراتيجية خاصة.

الرئيس وجه الشكر للمساهمين في تنظيم الحدث وإثراء نقاشاته، مشددًا على الأهمية المحورية لـ الشراكة الاقتصادية بين مصر والاتحاد الأوروبي. وأوضح أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري والاستثماري الأول لمصر، حيث يستحوذ على نحو 27% من تجارتها الخارجية و32% من أرصدة الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2024.

هذه الأرقام تعكس عمق الترابط الاقتصادي بين الجانبين، وتؤكد على الدور الحيوي الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي كداعم رئيسي للاقتصاد المصري، في وقت تسعى فيه القاهرة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للاستثمار والتجارة.

محاور استراتيجية لتعميق التعاون

تنوعت موضوعات النقاش خلال جلسات الحدث، لتشمل محاور استراتيجية بالغة الأهمية. من أبرزها دراسة إمكانية إنشاء ممر استثماري أوروبي في مصر، يهدف ليكون بوابة رئيسية للوصول إلى الأسواق الإفريقية والعربية الواعدة.

كما تناولت الجلسات أفكارًا لتعميق اندماج مصر في سلاسل الإمداد الأوروبية، مع التركيز على دور القطاع الخاص كقاطرة رئيسية للتنمية. هذا التوجه يعكس رغبة أوروبية في تنويع مصادر الإمداد، ورغبة مصرية في تعزيز قدراتها التصديرية والصناعية.

التزام الدولة المصرية بدعم القطاع الخاص، الذي أشار إليه الرئيس، يؤكد على تحول في السياسات الاقتصادية نحو تمكين أكبر للشركات الخاصة. هذه الموضوعات مجتمعة تعكس عمق العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتطلعًا مشتركًا نحو آفاق أرحب في المستقبل.

الرئيس السيسي أكد أن هذا الحدث ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لمسار متصاعد بدأ في مارس 2024. حينها، تم الإعلان عن الارتقاء بالعلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، خلال زيارة رفيعة المستوى للقاهرة.

تلك الزيارة ضمت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، وقادة بلجيكا وإيطاليا واليونان وقبرص والنمسا. تبعتها مشاركة فون دير لاين في افتتاح المؤتمر المصري الأوروبي الأول للاستثمار في يونيو 2024، ما يعكس زخمًا دبلوماسيًا غير مسبوق.

هذه التحركات الدبلوماسية المتتالية تجسد إرادة سياسية واضحة لبناء علاقة متوازنة وطموحة، ترتكز على المصالح المشتركة. ما نشهده اليوم في بروكسل هو ترجمة عملية لهذه الرؤية الطموحة، التي تهدف لتوسيع مجالات التعاون لتشمل أبعادًا أمنية واقتصادية وسياسية أوسع.

الرئيس أعرب عن تقديره لدور السيدة فون دير لاين المحوري في دفع هذا التعاون، مؤكدًا التزام مصر المتبادل بالعمل الدؤوب لتعزيز هذه الشراكة الإستراتيجية على أسس عملية ومستدامة. هذا التبادل في الالتزام يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية مصر كشريك استراتيجي لأوروبا في منطقة مضطربة.

مصر والاتحاد الأوروبي يقفان اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، تتطلب رؤية أوسع وطموحًا أكبر، خاصة في ظل التطورات الإقليمية والدولية غير المسبوقة. الرئيس السيسي أكد يقينه الراسخ بأن مصر تمثل فرصة حقيقية وملموسة لمجتمع الأعمال الأوروبي، تتجاوز كونها مجرد شريك قريب جغرافيًا.

هذا التأكيد يأتي في سياق سعي مصر لتغيير الصورة النمطية، وتقديم نفسها كوجهة استثمارية جاذبة وذات قيمة مضافة. الرئيس استعرض مجموعة من الحقائق التي تدعم هذه الرؤية، لتسليط الضوء على المقومات التي تجعل من الاقتصاد المصري محط أنظار المستثمرين.

إصلاحات اقتصادية ومؤشرات إيجابية

أولًا، أشار الرئيس إلى حزمة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية ضمن برنامجها لـ الإصلاح الاقتصادي. هذه الإجراءات أدت إلى رفع التصنيف الائتماني لمصر من قبل مؤسسات دولية كبرى، وإشادة من صندوق النقد الدولي بتبني سعر صرف مرن.

كما شهدت مصر تزايدًا في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وارتفاعًا في معدل النمو السنوي إلى 4.4% خلال الربع الأخير من العام المالي 2024-2025، مقارنة بـ2.4% في العام المالي السابق. هذه الأرقام تعكس مرونة الاقتصاد المصري وقدرته على الصمود رغم التحديات الإقليمية والدولية.

الرئيس أكد استمرار مصر في جهودها الإصلاحية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، والتزامها بتنفيذ وثيقة سياسات ملكية الدولة وبرنامج الطروحات الحكومية. هذه الخطوات تستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتوفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار.

ثانيًا، أبرز الرئيس موقع مصر الاستراتيجي كعامل جذب رئيسي، حيث يتيح للشركات الأوروبية النفاذ إلى سوق ضخم يضم أكثر من 1.5 مليار مستهلك في إفريقيا والمنطقة العربية والاتحاد الأوروبي. هذا الوصول مدعوم بشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة.

بالإضافة إلى اتفاقية المشاركة المصرية الأوروبية، تتمتع مصر بموقع فريد على الممرات المائية والبرية التجارية العالمية، وبنية أساسية متطورة. هذه المقومات تجعل مصر مركزًا لوجستيًا وتجاريًا حيويًا، يربط القارات ويسهل حركة البضائع ورؤوس الأموال.

ثالثًا، أكد الرئيس على توفير مصر لمنظومة متكاملة من الحوافز للمستثمرين. تشمل هذه الحوافز إعفاءات ضريبية، وسهولة في تحويل الأرباح، وتوافر عمالة مدربة بتكلفة تنافسية، بالإضافة إلى طاقة بأسعار جاذبة.

كما شدد على أهمية الأمن والاستقرار السياسي والمؤسسي الذي تتمتع به مصر، وهي عوامل حاسمة في اتخاذ القرارات الاستثمارية. هذه المزايا مجتمعة تهدف إلى تقليل المخاطر وزيادة جاذبية السوق المصري لرؤوس الأموال الأجنبية.

رابعًا، أشار الرئيس إلى إطلاق المنصة المصرية الأوروبية للاستثمار. هذه المنصة صُممت لتكون أداة عملية وفعالة لتحفيز الاستثمارات الأوروبية، وتوجيهها نحو القطاعات ذات الأولوية في مصر.

تهدف المنصة أيضًا إلى خلق فرص شراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يتماشى مع أولويات التنمية الوطنية ومجالات التخصص الأوروبية. هذا يعكس رؤية متكاملة لتعزيز التعاون، وتحديد مسارات واضحة لتدفق الاستثمارات المتبادلة.

الرئيس السيسي أكد حرص الدولة المصرية على مواصلة الحوار المفتوح مع مجتمع الأعمال الأوروبي، بهدف فهم تطلعاتهم وتجاوز أي تحديات قد تواجه استثماراتهم. ودعا المستثمرين الأوروبيين إلى رؤية مصر ليس فقط كسوق استهلاكي واعد، بل كـ شريك إنتاجي موثوق.

وأوضح أن مصر قادرة على استضافة خطوط إنتاج أوروبية، تخدم الأسواق العالمية والأوروبية بكفاءة عالية وتكلفة تنافسية. هذه الرؤية تحول مصر من مجرد مستورد إلى مركز تصنيعي وتصديري، مستفيدة من موقعها ومواردها البشرية والطاقوية.

الرئيس شدد على الحاجة الملحة لإعادة هيكلة سلاسل التوريد في المنطقة، خاصة في ظل تحديات التجارة العالمية، وأزمات الطاقة المتكررة، وتقلبات الأمن البحري. هذه الظروف تفرض على أوروبا البحث عن شركاء استراتيجيين موثوقين.

وأكد أن مصر يمكنها أن تكون الحليف الصناعي والتكنولوجي الذي تحتاجه أوروبا لتأمين إمداداتها، وتنويع مصادرها، وتعزيز قدرتها التنافسية على المستوى الدولي. هذا الطرح يضع مصر كحل استراتيجي لتحديات الأمن الاقتصادي الأوروبي.

فرص استثمارية واعدة

الرئيس دعا إلى شراكة استثمارية قائمة على المنفعة المتبادلة، مستعرضًا فرصًا حقيقية في قطاعات استراتيجية. هذه القطاعات تشمل الصناعات الدوائية واللقاحات، وصناعة السيارات التقليدية والكهربائية، بالإضافة إلى الأسمدة والبتروكيماويات.

كما تبرز فرص واعدة في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر، والشرائح الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي. وتتضمن القائمة أيضًا الصناعات الدفاعية، والبنية التحتية اللوجستية والنقل، وهي قطاعات تتوافق مع أولويات التنمية المصرية والاحتياجات الأوروبية.

الرئيس أكد أن الاستثمارات الأوروبية في مصر لن تحقق عائدًا ماليًا فحسب، بل ستسهم في بناء اقتصاد إقليمي أكثر توازنًا. كما ستدعم هذه الاستثمارات استقرار منطقة جنوب المتوسط، وهي منطقة حيوية لأمن أوروبا.

وختامًا، ستعزز هذه الاستثمارات مكانة الشركات الأوروبية في أسواق تتوسع بشكل سريع ومستمر، ما يمنحها ميزة تنافسية. هذا الطرح يربط بين العائد الاقتصادي المباشر والمصالح الجيوسياسية الأوسع للجانبين.

في ختام كلمته، دعا الرئيس السيسي مجتمع الأعمال الأوروبي إلى زيارة مصر والتعرف عن كثب على البيئة الاستثمارية المحفزة. وشدد على ما توفره مصر من فرص استثمارية حقيقية، وحوافز مشجعة، وضمانات جادة للمستثمرين.

كما وجه دعوة للمفوضية الأوروبية لتوسيع أدوات الضمان والتأمين للمستثمرين الأوروبيين في السوق المصري. ودعا الحكومات الأوروبية لدعم نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة المشتركة، بما يخدم المصالح المتبادلة للجميع.

الرئيس اختتم كلمته بالتأكيد على أن هذا الحدث يجب أن يكون نقطة انطلاق نحو تعاون مثمر ومستقبل أفضل، يعزز من الشراكة المصرية الأوروبية في كافة المجالات. هذه الدعوة تعكس رغبة مصر في بناء علاقات طويلة الأمد تتجاوز مجرد التبادل التجاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *