اقتصاد

النرويج تعزز الإنفاق من صندوق الثروة السيادي وسط تحديات سياسية واقتصادية

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

تتجه حكومة الأقلية في النرويج نحو زيادة الاعتماد على صندوق الثروة السيادي الضخم، الذي تتجاوز أصوله تريليوني دولار، لتمويل موازنة العام المقبل. هذه الخطوة تأتي في سياق سعي حزب العمال الحاكم لتأمين الدعم السياسي اللازم من شركائه اليساريين، مما يثير تساؤلات حول التوازن بين التحفيز الاقتصادي والانضباط المالي.

كشفت وزارة المالية النرويجية الأربعاء عن أرقام مشروع الموازنة، التي تظهر اعتزام الدولة الاسكندنافية رفع حجم استخدامها لعوائد صندوق الثروة النرويجي إلى 579.4 مليار كرونة (ما يعادل 57 مليار دولار). هذه الزيادة تأتي مقارنة بـ 550.6 مليار كرونة معدلة وفقاً للتضخم في العام الماضي، مما يعكس توجهاً حكومياً نحو ضخ المزيد من السيولة في شرايين الاقتصاد.

هذا التحفيز المحتمل، الناجم عن الإنفاق من عوائد الصندوق الذي يمول حالياً أكثر من خُمس الموازنة العامة، يحمل في طياته تأثيراً مباشراً على مسار السياسة النقدية التي يتبعها بنك النرويج المركزي “نورغيس بنك”. ومع ذلك، ظل هذا التأثير مقيداً بفضل “القاعدة المالية” المتفق عليها سياسياً، والتي تحدد سقفاً للإنفاق بنسبة 3% من قيمة الصندوق، وهو ما يوازي العائد الحقيقي المتوقع منه.

الحذر المالي.. تعهد حكومي

تُعد هذه الخطة الأولى لحزب العمال منذ إعادة انتخابه في الانتخابات العامة التي أُقيمت الشهر الماضي، وتستهدف إنفاق 2.8% من إجمالي قيمة الصندوق. هذا الرقم يتماشى مع توقعات البنك المركزي الشهر الماضي، ويشير إلى محاولة الحكومة الموازنة بين الحاجة للإنفاق والالتزام بالضوابط المالية.

وفي تحليلها، أشارت كارين ألسفيك نلسون، المحللة الأولى لدى “سفينسكا هانديلزبانكن” في النرويج، إلى أن الأرقام الصادرة لن تغير توقعات سعر الفائدة الأساسي. وأوضحت أن السياسة المالية تساهم في الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة بدرجة ما، لكن هذا الأمر قد تم أخذه في الاعتبار ضمن التوقع الأساسي لـ”نورغيس بنك”، ولا يغير التقييم العام.

يتعين على رئيس الوزراء يوناس غار ستوره التفاوض للحصول على دعم أربعة أحزاب صغيرة لإقرار الموازنة في البرلمان، مما يضع ضغوطاً إضافية على الحكومة. وقد تعهد ستوره بانتهاج الحذر المالي، وبأن يظل الإنفاق من صندوق الثروة السيادي “أقل بكثير” من الحد الأقصى عند 3%، لضمان تمكين صناع السياسة النقدية من إجراء مزيد من التيسير النقدي في النرويج مستقبلاً.

النرويج.. اقتصاد مرن لا يعتمد على النفط

كانت محافظة البنك المركزي إيدا فولدن باكه، وغيرها من صناع السياسات، قد أشاروا الشهر الماضي إلى استبعاد التسرع في إجراء مزيد من التيسير النقدي، وذلك بعد خفض أسعار الفائدة الرئيسية للمرة الثانية منذ الجائحة إلى 4%. ويعود هذا التوجه، ضمن عوامل أخرى، إلى أن متانة الاقتصاد النرويجي تبقي الضغوط السعرية قائمة، مما يحد من مرونة البنك المركزي.

يشكل صندوق الثروة مصدر الدعم الرئيسي لموازنة النرويج، كما أن أوضاع المالية العامة في البلاد تُعد من بين الأكثر قوة واستقراراً على مستوى العالم. هذا الاستقرار المالي يمنح الحكومة هامشاً كبيراً للمناورة في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية.

وبينما يُتوقع أن تتراجع إيرادات الوقود الأحفوري خلال العقود المقبلة، فإن النمو السريع للصندوق يشير إلى أن النرويج لم تعد معتمدة بشكل أساسي على أسعار النفط. بدلاً من ذلك، حل محلها الاعتماد على المكاسب المستمرة المحققة في الأسواق المالية العالمية، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في مصادر الدخل القومي.

التضخم والنمو الاقتصادي

في الوقت نفسه، ارتفعت إيرادات النرويج من التصدير مع تعزيز دورها كمورد رئيسي للغاز الطبيعي إلى دول أوروبا الغربية، خاصة بعد العقوبات المفروضة على روسيا. هذا الوضع الجيوسياسي يعزز من قوة الاقتصاد النرويجي ويساعد حكومة ستوره في تمويل دعم الكهرباء المكلف لصالح المستهلكين، إلى جانب الزيادة الضخمة في الإنفاق العسكري للوفاء بالتزامات البلاد تجاه حلف شمال الأطلسي.

وتتوقع الوزارة نمو اقتصاد البر الرئيسي بنسبة 2.1% العام المقبل، مقارنةً بتوقع سابق عند 1.6% صدر في مايو، مما يشير إلى تحسن في النظرة المستقبلية. ويُقدّر النمو هذا العام عند 2%، بعد رفعه من تقدير سابق عند 1.8%، مما يعكس أداءً اقتصادياً قوياً ومستقراً.

كما تتوقع الوزارة تباطؤ معدل التضخم الأساسي إلى 2.5% في عام 2026، وهو ما يمثل هدفاً مهماً للسياسة النقدية، وأن تبقى نسبة البطالة المسجلة دون تغيير عند 2.1% في العام المقبل. هذه التوقعات تشير إلى بيئة اقتصادية مستقرة نسبياً، مع استمرار التحديات المرتبطة بإدارة الإنفاق الحكومي وضغوط التضخم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *