الأوقاف تحدد خطبة الجمعة: ‘بالتي هي أحسن’ لترسيخ ثقافة الاختلاف

في خطوة تستهدف تعزيز السلم المجتمعي وترسيخ أسس الحوار البنّاء، أعلنت وزارة الأوقاف المصرية عن موضوع خطبة الجمعة الموحدة القادمة، الموافق 17 أكتوبر 2025، تحت عنوان «بالتي هي أحسن». تأتي هذه الخطبة كرسالة موجهة لإدارة النقاشات العامة بوعي، وتأكيد على ضرورة استيعاب الآخر في إطار من الاحترام المتبادل.
لا يمكن قراءة اختيار هذا الموضوع بمعزل عن سياق أوسع تسعى فيه المؤسسات الدينية الرسمية إلى تقديم خطاب يوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات الواقع المعاصر. فمن خلال التركيز على آداب الاختلاف، تبعث الوزارة بإشارة واضحة حول أهمية النأي بالحوارات الفكرية والمجتمعية عن الانزلاق نحو التناحر والشقاق، وهو ما يمثل حجر زاوية في جهود تجديد الخطاب الديني.
الاختلاف.. سنة كونية لا مبرر للصدام
تؤسس الخطبة لمنطلق فلسفي عميق، مؤكدة أن الاختلاف ليس مجرد حالة عارضة، بل هو سنة كونية ربانية متجذرة في صميم الخلق. وتستشهد بنصوص قرآنية كريمة، مثل قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}، لتوضح أن التنوع في الأفكار والأشكال والألسن هو من صميم الإعجاز الإلهي الذي يمنح الحياة ثراءها ويحول دون الرتابة.
ويمتد هذا التحليل ليشمل الاختلاف في وجهات النظر والأفهام، مستدلاً بقوله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}، ليقرر أن هذا التباين مقصود إلهيًا بهدف الاختبار وتحفيز التنافس في الخيرات. ويُبرز النص كيف أن هذا التنوع الكوني، رغم تعدده، يسير في تناغم وتناسق بديع، مما يعني أن الاختلاف البشري يجب أن يقود إلى التكامل لا إلى الصراع.
بين التنوع والتضاد: حدود الاختلاف المقبول
تقدم الخطبة تصنيفًا دقيقًا لأنواع الاختلاف، وهو ما يعكس نضجًا في التعامل مع القضايا الخلافية. فمن ناحية، هناك «اختلاف التنوع»، وهو الخلاف المحمود في الفروع الفقهية والمسائل الاجتهادية التي لا تناقض فيها، بل تمثل سعة ورحمة للأمة، وهو ما دفع الإمام أحمد بن حنبل لتسمية كتاب في هذا الشأن بـ«كتاب السعة» بدلًا من «كتاب الاختلاف».
وعلى الجانب الآخر، يوجد «اختلاف التضاد»، وهو المذموم الذي يمس أصول الدين وثوابته ومقاصد الشريعة الكبرى. هذا النوع من الخلاف هو الذي يؤدي إلى الفرقة والنزاع، وهو ما حذرت منه النصوص الشرعية، ليتم بذلك رسم خط فاصل وواضح بين النقاش الفكري المثمر وبين الجدال الذي يهدد وحدة الصف.
روشتة عملية لآداب الحوار
تنتقل الخطبة من التنظير إلى التطبيق، مقدمةً دليلاً عمليًا لأخلاقيات وآداب الاختلاف التي افتقدها الكثيرون في خضم النقاشات اليومية. وتؤكد أن تجاوز هذه الآداب هو السبب المباشر في زرع الشحناء وتمزيق النسيج المجتمعي، مستشهدة بالحديث النبوي: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ».
وتضع الخطبة مجموعة من الضوابط المنهجية لإدارة أي حوار، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- المرجعية الواضحة: ضرورة رد أي تنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله بفهم العلماء المتخصصين.
- حسن الظن: افتراض النية الطيبة في المخالف والتماس الأعذار له قبل إصدار الأحكام.
- الرفق واللين: استخدام القول الحسن وخفض الجناح، وتجنب الخوض في الأعراض والتجريح الشخصي.
- التجرد من الهوى: السعي نحو الحقيقة، وليس الانتصار للرأي الشخصي، واعتبار أن الحق قد يظهر على لسان المخالف.
- الرجوع إلى الحق: الشجاعة في الاعتراف بالخطأ والعودة إلى الصواب متى اتضح، فذلك خير من التمادي في الباطل.
- الإنصات الفعّال: إعطاء الفرصة للطرف الآخر لعرض وجهة نظره كاملة قبل الرد عليه.
- الاحترام المتبادل: توقير المخالف وعدم الانتقاص من قدره، حتى مع الاختلاف الشديد في الرأي.
- الاستناد إلى الدليل: أن يكون الاختلاف مبنيًا على برهان وحجة، وصادرًا عن أهل الاختصاص.
فقه المآلات.. نظرة نحو المستقبل
تختتم الخطبة بتأكيدها على مبدأ فقهي عميق وهو «فقه المآلات»، أي ضرورة النظر في عواقب الأقوال والأفعال قبل الإقدام عليها. وتستدل بقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}، لتوضح أن بعض الأفعال، وإن كانت في ظاهرها حقًا، قد تؤدي إلى مفسدة أكبر، مما يستوجب تركها درءًا للشر.
إن هذا التركيز على النتائج والمصالح العليا يعكس رؤية تهدف إلى حماية استقرار المجتمع ومنع الفوضى الفكرية. فالخطبة لا تدعو فقط إلى ثقافة الحوار، بل إلى حوار مسؤول يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية، ويؤكد أن «الخلاف شر» عندما يؤدي إلى الفرقة، وأن يد الله مع الجماعة، في دعوة صريحة للحفاظ على وحدة الوطن وتماسكه.









