سباق التسلح التكنولوجي: كيف أشعلت حرب أوكرانيا شهية رأس المال الاستثماري في قطاع الدفاع الأوروبي؟

في قلب أوروبا التي تعيد حساباتها الأمنية على وقع حرب أوكرانيا، تتدفق الملايين على قطاع كان يُعتبر حتى وقت قريب من المحرمات استثماريًا. جولة تمويلية واحدة لشركة متخصصة تكشف عن تحول زلزالي في عقلية المستثمرين، مدفوعًا بأصداء الحرب في الشرق ومخاوف متزايدة من المستقبل.
شرارة كييف.. ووقود ميونخ
أعلنت شركة “إكسبيديشنز” (Expeditions)، إحدى أبرز شركات رأس المال الاستثماري الأوروبية المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع، عن نجاحها في جمع ما يزيد عن 100 مليون يورو، في خطوة تعكس ثقة المستثمرين المتنامية بهذا القطاع الحيوي. الشركة التي تتخذ من وارسو مقرًا لها، والتي تأسست عام 2021 برؤية استباقية، تطمح لرفع هذا المبلغ إلى 150 مليون يورو مع نهاية العام، بدعم من مزيج من المستثمرين الأوروبيين والأمريكيين، من القطاع الخاص والمكاتب العائلية والمؤسسات الكبرى.
هذا التدفق المالي ليس مجرد رقم في تقرير، بل هو مؤشر على أن شهية المستثمرين لشركات تكنولوجيا الدفاع الأوروبية الناشئة لم تخفت بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الغزو الروسي لأوكرانيا. بل على العكس، يبدو أنها تزداد شراسة، خاصة مع الدعوات المتكررة من شخصيات مثل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، التي تحث القارة العجوز على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها وزيادة إنفاقها الدفاعي.
لحظة فارقة غيرت قواعد اللعبة
يرى ميكولاج فيرليج، الشريك المؤسس لشركة “إكسبيديشنز”، أن أوروبا لم تعد تملك “رفاهية الوقت أو الانتظار على الهامش” في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية. وفي تصريح لافت لصحيفة “فاينانشال تايمز”، كشف فيرليج أن خطاب السيناتور الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام، أحدث “تغييرًا هائلاً” في وعي المستثمرين، حيث أثار مخاوف حقيقية من أن التزام أمريكا التاريخي بالدفاع عن أوروبا قد يكون في خطر.
ويضيف فيرليج بوضوح: “كان مؤتمر ميونخ حافزًا أكبر من الحرب في أوكرانيا نفسها”، مشيرًا إلى أن هذا الحدث لم يغير فقط حجم الاستثمارات، بل نوعية الممولين الأوروبيين الذين باتوا أكثر استعدادًا لدعم قطاع الأمن الأوروبي بشكل مباشر.
لغة الأرقام لا تكذب
التحول في настроения المستثمرين يمكن ترجمته بسهولة إلى أرقام صادمة تعكس حجم القفزة التي شهدها القطاع. فقد استجاب المستثمرون للواقع الجيوسياسي الجديد بضخ أموال هائلة في الشركات الناشئة المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع والأمن في أوروبا، ويمكن تلخيص هذا النمو في النقاط التالية:
- عام 2020: 30 مليون يورو فقط.
- عام 2021: 150 مليون يورو.
- منذ فبراير 2022 (بداية الحرب): 2.4 مليار يورو.
- في أول 7 أشهر من العام الحالي وحده: 1.4 مليار يورو.
كان فيرليج وشريكه ستانيسلاف كاستوري من الرواد الذين أطلقوا “إكسبيديشنز” عام 2021، ليصبحوا من أوائل من راهنوا على هذا القطاع. وقد دعم صندوقهم الأول شركات واعدة مثل “ألباين إيجل” المتخصصة في مواجهة الطائرات المسيرة، بينما استثمر صندوق آخر في سبع شركات أخرى من بينها “ليندوراي” الإستونية.
هل هي فقاعة استثمارية جديدة؟
مع هذا التدفق النقدي الهائل، تبرز تساؤلات حول احتمالية تكوّن فقاعة استثمارية. إلا أن فيرليج ينفي هذه المخاوف، مؤكدًا أن القطاع لا يزال في مراحله الأولى. ورغم اعترافه بوجود “مبالغة طفيفة” في تقييمات بعض المجالات مثل الطائرات العسكرية المسيرة، إلا أنه يشدد على أن تقييمات الشركات الناشئة لا تزال “أصغر بكثير” مقارنة بعمالقة الصناعة مثل شركة “راينميتال” الألمانية التي تتجاوز قيمتها السوقية 90 مليار يورو.
ويختتم حديثه بنظرة متفائلة: “يمكننا توقع وصول حجم رأس المال المستثمر إلى ملياري يورو بنهاية هذا العام. نعم، هذا تغيير جذري، لكن الرقم لا يزال صغيرًا جدًا لأن نقطة البداية كانت تقترب من الصفر”. إنه مشهد جديد يتشكل، حيث لم يعد الاستثمار في الدفاع مجرد ضرورة أمنية، بل فرصة استثمارية كبرى في قارة تبحث عن الاعتماد على الذات في عالم يزداد اضطرابًا.











