كارثة المحلة.. النيابة الإدارية تكشف أسرار حريق مصنع الموت غير المرخص

تحت سماء المحلة الكبرى التي لم تجف دموعها بعد، تتكشف فصول جديدة في كارثة مصنع المحلة المحترق. فريق من النيابة الإدارية نزل إلى أرض الواقع ليعاين بنفسه بقايا مأساة هزت المدينة، مأساة لم تكن مجرد حريق، بل قصة إهمال مكتملة الأركان بدأت بلهيب وانتهت بأرواح أزهقت تحت الأنقاض.
ففي صباح يوم السبت، الموافق 27 سبتمبر 2025، وبناءً على تكليفات عاجلة من المستشار محمد الشناوي، رئيس هيئة النيابة الإدارية، تحرك فريق من المحققين إلى موقع الحادث. الفريق الذي ترأسه المستشار ممدوح الشاذلي، ضم نخبة من وكلاء النيابة، لكشف الغموض الذي يحيط بهذا الحادث المروع الذي رصده مركز الإعلام بالهيئة.
معاينة تكشف المستور.. مصنع بلا أوراق رسمية
كشفت المعاينة الأولية عن حقائق صادمة، فالمصنع الذي تحول إلى كتلة لهب ودمار كان يعمل بدون أي ترخيص. يتكون المصنع من مبنيين، الأول عبارة عن مصبغة، والثاني مخزن ملاصق له. بدأت شرارة المأساة في الواحدة والنصف من صباح الجمعة، حيث اندلعت النيران بشكل مفاجئ، وسرعان ما امتدت ألسنة اللهب لتلتهم كل شيء في طريقها.
الكارثة الحقيقية وقعت عندما وصلت النيران إلى الغلايات الموجودة بالمصبغة، مما أدى إلى انفجار كبير هز المنطقة الصناعية بأكملها. قوة الانفجار تسببت في انهيار جزئي للمبنى الأمامي وانهيار كامل للمخزن الخلفي، ليتحول المكان في لحظات إلى مقبرة جماعية حصدت أرواح عمال أبرياء ورجال من الحماية المدنية، بالإضافة إلى مواطنين تصادف وجودهم في محيط المكان.
أسرار خلف الأسوار المحترقة
لم تتوقف المفاجآت عند حد كون المصنع غير مرخص، بل امتدت لتكشف عن مأساة إنسانية أخرى. فقد تبين أن العمال الذين كانوا يكدحون داخل هذا المكان لم يكونوا مؤمنًا عليهم، ولا تربطهم أي عقود عمل رسمية بمالك المصنع، مما يضيع حقوقهم وحقوق أسرهم بعد وفاتهم أو إصابتهم. التحريات الأولية أشارت إلى أن مالك المصنع يمتلك عددًا من المصانع الأخرى في نفس المنطقة الصناعية وتعمل في نفس النشاط، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول قانونية هذه المنشآت أيضًا.
لم يكتفِ فريق النيابة الإدارية بمعاينة الأنقاض، بل انتقل إلى المستشفى للقاء المصابين والاستماع لشهاداتهم. هناك، روى الناجون ممن سمحت حالتهم الصحية بذلك، تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل الانفجار، وهي شهادات ستكون حجر زاوية في سير التحقيقات الجارية.
قرارات حاسمة.. التحقيقات تأخذ مسارًا جديدًا
في ضوء هذه النتائج الكارثية، أصدرت النيابة قرارات فورية وحاسمة لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وتضمنت الأوامر ما يلي:
- حصر كافة الأنشطة والمصانع المملوكة لصاحب المصنع المنكوب في المنطقة الصناعية بالمحلة، للتحقق من سلامتها القانونية وتراخيصها.
- تشكيل لجنة خماسية عاجلة تضم خبراء من جهاز شئون البيئة، وهيئة التنمية الصناعية، ووزارة القوى العاملة، والرقابة الصناعية، وقطاع الحماية المدنية.
- تكليف اللجنة بفحص الواقعة فنيًا، وحصر العمالة، والتأكد من استيفاء كافة الاشتراطات البيئية والصناعية وشروط السلامة المهنية، مع إعداد تقرير شامل وعاجل.
- مخاطبة مصلحة الضرائب بشكل فوري للاستعلام عن وجود ملفات ضريبية لهذه المنشآت من عدمه، لكشف حجم التهرب الضريبي المحتمل.
وبينما تتواصل التحقيقات، يبقى السؤال معلقًا في سماء المحلة: من المسؤول عن أرواح ضحايا ومصابين أبرياء ذهبوا ضحية للإهمال والبحث عن الربح السريع على حساب أرواح البشر؟









