عرب وعالم

أسطول الصمود في قلب العاصفة: بين التحدي الإنساني والتهديدات الإسرائيلية.. وغزة تنزف

في مياه المتوسط التي لم تعد هادئة، تبحر سفن أسطول الصمود العالمي في رحلة محفوفة بالمخاطر، لا تتحدى أمواج البحر فحسب، بل تتحدى قراراً سياسياً وعسكرياً بمنعها من الوصول إلى وجهتها. وعلى بعد أميال، تنتظر غزة، المدينة المحاصرة التي تحولت مستشفياتها إلى مسارح للكوابيس، وصول أي بصيص أمل.

سباق مع الزمن وتأهب دولي

لم تعد الرحلة مجرد مبادرة لناشطين؛ بل تحولت إلى أزمة دبلوماسية مصغرة. أصوات القلق الرسمية بدأت تتعالى، حيث حذرت حكومات المشاركين رعاياها من “هجوم إسرائيلي متوقع”، وهو ما يضفي على المشهد طبقة من التوتر الشديد. وفي تطور لافت، حلّقت ثلاث طائرات مسيّرة فوق سفينة “عمر المختار”، التي كانت تسابق الزمن للحاق ببقية الأسطول، في خطوة بدت كرسالة تحذير واضحة.

الأجواء المشحونة دفعت دولاً أوروبية للتحرك. فمن نيويورك، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إرسال سفينة حربية لضمان سلامة مواطنيه، خطوة سبقتها إليها إيطاليا التي أرسلت فرقاطة “فاسان” متعددة المهام. وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو لم يتردد في وصف الهجمات بالمسيّرات قبالة اليونان بأنها عمل مدان “بأشد العبارات”، مؤكداً أن مهمة الفرقاطة هي “عمليات إنقاذ محتملة”.

على الخط الدبلوماسي، تحرك وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، مطالباً إسرائيل مباشرة بضمان سلامة المواطنين الإيطاليين، بمن فيهم برلمانيون، مشدداً على أن أي عملية إسرائيلية يجب أن تتم وفقاً لـالقانون الدولي. هذه التحركات تظهر أن الأسطول لم يعد مجرد سفن مساعدات، بل أصبح ورقة ضغط في ساحة السياسة الدولية.

“أجسام مجهولة” وتشويش متعمد.. شهادة من قلب الأسطول

من على متن السفن، الصورة أكثر قتامة. المتحدث باسم القافلة، تياغو أفيلا، روى فصولاً من حرب غير معلنة، حيث تعرضت ست سفن لهجمات منذ فجر الأربعاء. تحدث عن سماع دوي انفجارات ضخمة، وتشويش متعمد على أجهزة الاتصال والملاحة، وأضرار لحقت بالسفن بسبب “أجسام مجهولة”، مما يعقد مهمة الإبحار الآمن ويحولها إلى كفاح مستمر للبقاء على المسار.

تل أبيب ترسم خطاً أحمر: “أسطول حماس لن يمر”

في المقابل، تبدو الرواية الإسرائيلية حاسمة ولا تقبل التأويل. وزارة الخارجية الإسرائيلية وصفت القافلة بـ “أسطول حماس”، مؤكدة أنها لن تسمح بخرق الحصار الإسرائيلي البحري. البيان الرسمي الإسرائيلي كشف عن رفض منظمي الأسطول مقترحاً بالرسو في ميناء عسقلان لتسليم المساعدات الإنسانية عبر القوات الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته تل أبيب دليلاً على “عدم صدق نوايا” المشاركين وأن مهمتهم تخدم أجندة حماس لا سكان غزة.

هذا الموقف المتشدد، الذي تم التعبير عنه في بيانين متتاليين، يؤكد أن إسرائيل “ستتخذ الإجراءات اللازمة لمنع دخوله إلى منطقة القتال”. ومع توقع وصول الأسطول خلال أيام، يبدو أن كل السيناريوهات مفتوحة، بما فيها المواجهة المباشرة.

بينما تتجه الأنظار للبحر.. غزة تبكي شهداءها في صمت

بعيداً عن دراما البحر، تتواصل مأساة غزة على الأرض. في سوق فراس بقلب المدينة، لم يكن هناك وقت لانتظار الأسطول. غارة إسرائيلية حصدت أرواح 22 شخصاً، بينهم 9 أطفال و6 نساء، كانوا يبحثون عن ملجأ. أحد السكان وصف المشهد بكلمات بسيطة لكنها تحمل كل الألم: “بكيت أمام المشهد”، بينما كان الأهالي يحاولون انتشال أشلاء أحبائهم من تحت الأنقاض بأيديهم العارية، في ظل غياب المعدات الثقيلة.

“مذبحة جماعية وكابوس”.. صرخة أطباء من جحيم مستشفى الشفاء

وإذا كانت الغارات تقتل الأجساد، فإن ما يحدث داخل المستشفيات يقتل الروح. أطباء أستراليون متطوعون في مستشفى الشفاء، أكبر مجمعات غزة الطبية، لم يجدوا كلمات لوصف ما يرونه سوى أنها “مذبحة جماعية وتعذيب وكابوس”.

الشهادات التي خرجت من هناك تفوق الخيال:

  • عمليات جراحية في ظروف قذرة: يضطر الأطباء لإجراء عمليات للمصابين بإصابات بالغة “بتخدير ضئيل أو معدوم تقريباً”.
  • مشاهد مروعة: تصف الدكتورة ندى أبو الرب الوضع قائلة: “لا توجد مسكنات للألم، أطراف المرضى معلقة ببقايا جلد وأوتار. أدمغة خارجة. أعضاء داخلية خارجة”.
  • انتظار الموت أو البتر: روت الدكتورة سايا عزيز قصة طفل في السادسة انتظر ثلاثة أيام لإجراء عملية في ذراعه وساقه المكسورتين، لأن الجراح الوحيد كان مشغولاً بحالات أكثر خطورة.

هذا الجحيم يتفاقم مع اقتراب الدبابات الإسرائيلية لمسافة أقل من 500 متر من المستشفى، بينما تتعرض منشآت طبية أخرى للقصف والتدمير، من مستشفى الرنتيسي للأطفال إلى المستشفى الميداني الأردني الذي اضطر للإغلاق. ومع نزوح مئات الآلاف، وارتفاع تكاليف الفرار بشكل جنوني، يبقى الكثيرون محاصرين مثل سلطان نصار الذي قال بمرارة: “الموت موجود في الشمال والجنوب، والدبابات على بعد أمتار من بيتي، ولا أستطيع تحمل تكلفة الفرار”.

وبينما تترقب العيون مصير أسطول الصمود في عرض البحر، وتتضارب الروايات السياسية، يبقى السؤال معلقاً في سماء غزة الملبدة بالدخان: هل ستصل سفن الأمل قبل أن تصل قذيفة أخرى؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *