الفيدرالي الأميركي على حبل مشدود.. باول يربك الأسواق ويحذر من التفاؤل بخفض أسعار الفائدة

في قلب عاصفة اقتصادية وسياسية، يقف الاقتصاد الأميركي على مفترق طرق حاسم، وعيون العالم كله معلقة بشفاه رجل واحد: جيروم باول. تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأخيرة لم تكن مجرد حديث عابر، بل أشبه بصب الماء البارد على تفاؤل الأسواق التي كانت تراهن على خفض وشيك في أسعار الفائدة، لتكشف عن معضلة حقيقية تواجه أكبر اقتصاد في العالم.
على حبل مشدود.. معضلة التضخم والوظائف
يعيش مجلس الاحتياطي الفيدرالي حاليًا ما يمكن وصفه بالسير على حبل مشدود. فمن ناحية، هناك ضغوط لكبح جماح التضخم الذي ظل عنيدًا فوق الهدف المنشود عند 2% منذ عام 2021. ومن ناحية أخرى، بدأت تظهر شروخ في جدار سوق العمل القوي، مع علامات تباطؤ تثير القلق من أن التشديد النقدي المفرط قد يدفع الاقتصاد نحو ركود غير ضروري.
هذا التوازن الدقيق هو جوهر الأزمة التي يواجهها صناع السياسة النقدية. أي خطوة غير محسوبة قد تكون لها عواقب وخيمة؛ فالإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول يهدد بتبريد الاقتصاد أكثر من اللازم، بينما خفضها بسرعة قد يطلق العنان لموجة تضخمية جديدة، وهو ما وصفه جيروم باول نفسه بأنه “موقف صعب”.
باول يرفض الرهانات السهلة
في خطابه الأخير، بدا باول وكأنه يخاطب المستثمرين مباشرة، رافضًا توقعاتهم بخفضين إضافيين للفائدة قبل نهاية 2025. وأوضح أنه إذا “خفف محافظو البنوك المركزية سياساتهم بشكل مفرط”، فإنهم يخاطرون بترك “مهمة التضخم دون حل”، مما سيضطرهم لعكس المسار لاحقًا بسياسات أكثر تشددًا. هذه هي المعضلة التي تفرضها مهمته المزدوجة المتمثلة في تحقيق استقرار الأسعار والحد الأقصى من التوظيف.
يأتي هذا التحذير بعد أن أقدم الفيدرالي على خفض الفائدة بربع نقطة مئوية، لتستقر عند نطاق بين 4% و4.25%، في خطوة كانت بمثابة استجابة لبيانات سوق العمل الضعيفة. لكن باول شدد على أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة بداية مسار من التيسير النقدي المتواصل، تاركًا الباب مفتوحًا أمام كل الاحتمالات.
فاتورة الرسوم الجمركية.. من يدفع الثمن؟
في جزء آخر من حديثه، تطرق باول إلى قضية الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب، والتي كانت مصدر ضغط سياسي هائل على الفيدرالي. وبشكل لافت، فنّد باول ادعاءات البيت الأبيض بأن الشركات الأجنبية هي من تتحمل تكلفة هذه الرسوم، مؤكدًا أن العبء الأكبر يقع على عاتق الشركات والمستوردين الأمريكيين، وإن لم يتم تمريره بالكامل بعد إلى المستهلك النهائي.
هذا التصريح لم يكن مجرد تحليل اقتصادي، بل كان أيضًا رسالة سياسية خفية حول التكاليف الحقيقية للحروب التجارية. ففي الوقت الذي كان فيه ترامب يصف باول بـ”الأحمق” لعدم خفضه الفائدة بقوة، كان رئيس الفيدرالي يوضح بهدوء أن بعض الضغوط التضخمية تأتي من سياسات الإدارة نفسها.
تحليل الخبراء: الأسواق في عين العاصفة
يرى خبير أسواق المال، محمد سعيد، في حديثه لـ”اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن تصريحات باول الأخيرة قلبت الطاولة على المستثمرين. ويلخص المشهد في عدة نقاط:
- نهاية التفاؤل المفرط: رسائل باول كانت واضحة بأن الطريق ليس مفروشًا بالورود، وأن رهانات خفض الفائدة السريع قد تكون في غير محلها.
- لا مسار خالٍ من المخاطر: أقر باول بأن أي قرار سيتخذه البنك المركزي محفوف بالمخاطر، سواء بخفض الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة.
- صدمة للأسهم: تراجعت المؤشرات الأمريكية بعد أن ألمح باول إلى أن أسعار الأسهم تبدو مرتفعة، وهو تعليق لا يمكن تجاهله من قائد السياسة النقدية.
- مرحلة جديدة من التقلبات: دخلت الأسواق مرحلة من الحذر والترقب، حيث ستكون البيانات الاقتصادية المقبلة هي الحكم في تحديد الخطوة التالية للفيدرالي.
تحذير من “فقاعة” محتملة في أسعار الأسهم
من جانبه، يؤكد جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets، أن مخاوف باول بشأن تقييمات الأسهم “واقعية للغاية”. ويشير إلى أن “الكثير من الاقتصاديين والمستثمرين يؤكدون أننا قد نكون أمام فقاعة حقيقية”، مدفوعة بشكل أساسي بالزخم الهائل لاستثمارات الذكاء الاصطناعي.
ويضيف يرق أن أي تباطؤ في هذا القطاع قد يؤدي إلى تصحيح عنيف في الأسواق. ومع ذلك، يرى أن قرار الفيدرالي القادم سيظل مرهونًا بمسار التضخم وبيانات سوق العمل. ويختتم بالقول: “الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة لتحديد الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي”.
وبين مطرقة التضخم وسندان تباطؤ سوق العمل، يظل قرار الفيدرالي القادم هو الشغل الشاغل للمستثمرين حول العالم. فهل ينجح باول في قيادة سفينة الاقتصاد الأميركي إلى بر الأمان، أم أن أي خطوة خاطئة قد تدفع الجميع نحو عاصفة لا يمكن التنبؤ بعواقبها؟









