عرب وعالم

حرب سموتريتش في الضفة الغربية: تهجير ممنهج وتغيير ديمغرافي تحت غطاء الحرب

على امتداد الطريق الواصل بين مدينتي رام الله وأريحا، والذي يمتد لحوالي أربعين كيلومترًا، تتراءى أشباح بيوت مهجورة على جانبي الطريق، لتضفي على المنطقة أجواءً موحشةً تروي قصةً مأساويةً من قسوة التهجير. هذه البيوت المتواضعة، المقامة من ألواح الخشب والزينكو (الصاج)، كانت قبل أشهر قليلة تعج بالحياة، لتدب فيها اليوم وحشة الصمت بعد أن أجبرت جماعات المستوطنين، بضغطها المتواصل، سكانَها من عرب المليحات على النزوح قسرًا.

هذا التجمع السكاني، الذي يمتد على طريق جبلي متعرج ينحدر من ارتفاع 900 متر في رام الله إلى ما دون سطح البحر في أريحا، ليس سوى جزء من صورة أكبر. إنه واحد من 33 تجمعًا بدويًا قام المستوطنون اليهود بتهجيرهم خلال الحرب الإسرائيلية الدائرة على قطاع غزة، وهو ما أكده أمير داود، مسؤول التوثيق في هيئة مقاومة الاستيطان، لـ”الشرق”. يقود داود فريقًا ميدانيًا لا يتوانى عن توثيق انتهاكات المستوطنين وجيش الاحتلال الإسرائيلي في ربوع الضفة الغربية.

الأرقام الصادمة التي كشفها تقرير حديث صادر عن مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا) تؤكد حجم المأساة المتفاقمة. فقد وصل عدد الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من الضفة الغربية خلال هذه الفترة الحرجة إلى نحو 50 ألف نسمة، منهم 40 ألفًا اقتلعوا من جذورهم في ثلاثة مخيمات للاجئين شمال الضفة. أما البقية، فقد وجدوا أنفسهم بلا مأوى نتيجة الاعتداءات المتكررة للمستوطنين أو عمليات الهدم الهمجية التي نفذها جيش الاحتلال.

“حرب سموتريتش”: تهجير ممنهج وتغيير ديمغرافي

بالتوازي مع الحرب المدمرة على غزة، تشن إسرائيل حربًا موازيةً في الضفة الغربية، لا تقل شراسةً أو أهدافًا. تتضمن هذه الحرب عمليات تهجير ممنهج للفلسطينيين، بهدف إحلال المستوطنين مكانهم، إلى جانب فرض ضغوط اقتصادية وأمنية خانقة تهدف إلى دفع السكان الفلسطينيين للهجرة. كل ذلك يصب في بوتقة تغيير الطابع الفلسطيني للمنطقة عبر التوسع الاستيطاني الجنوني والبنية التحتية الداعمة له.

يُطلق الإعلام الإسرائيلي على هذه السياسات العدوانية اسم “حرب سموتريتش”، في إشارةٍ واضحة إلى النهج الذي يتبعه وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش. هذا الوزير لا يخفي هدفه المعلن: تهجير الفلسطينيين من أرضهم، التي يطلق عليها “أرض إسرائيل”، وإحلال المستوطنين اليهود محلهم، في تحدٍ صارخ للقوانين والأعراف الدولية.

خطوات سموتريتش لترسيخ “الواقع الجديد”

سموتريتش، الذي يشغل أيضًا منصب وزير ثانٍ في وزارة الدفاع، أعلن عن سلسلة من الإجراءات والخطوات التصعيدية في الوزارتين لتحقيق هذا الهدف الخبيث. فقد نقل صلاحيات إدارة المستوطنات من الإدارة المدنية إلى الوزارات الحكومية المختصة، لتسهيل توفير الموارد المالية والمهنية اللازمة لتوسيعها، مما يعكس نية مبيتة لتسريع وتيرة الاستيطان.

كما أنشأ، عبر وزارة المستوطنات التي تديرها وزيرة من حزبه هي أوريت ستروك، جهازًا أمنيًا يُدعى “الحرس المدني”. يعمل هذا الجهاز داخل المستوطنات ويشن حملات اعتداء منظمة على القرى والتجمعات الفلسطينية، بهدف وحيد هو ترحيل سكانها بالقوة، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان.

ولم يتوقف سموتريتش عند هذا الحد، بل رصد هذا العام 7 مليارات شيكل (ما يزيد عن ملياري دولار) لإقامة 22 طريقًا جديدًا يربط المستوطنات ببعضها وبإسرائيل، بهدف تعزيز السيطرة الاستيطانية وخلق واقع جغرافي جديد. كما ضاعف من الاقتطاعات المالية من الإيرادات الجمركية الفلسطينية، واحتجز الباقي منها للشهر الرابع على التوالي، ما أدى إلى عجز الحكومة الفلسطينية عن دفع رواتب موظفيها، وزيادة معاناة المواطنين.

كذلك، فرضت إسرائيل قيودًا صارمةً على حركة الأفراد والسلع، مما تسبب في انكماش اقتصادي بلغ نحو النصف، وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي. ولا يخفي سموتريتش نواياه؛ إذ يعتبر هذه الضغوط الاقتصادية والأمنية وسيلةً قسريةً لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة، في محاولة يائسة لتفريغ الأرض من أهلها.

مخطط جواز السفر الأردني

وفي خطوة تصعيدية جديدة، أعلن سموتريتش أنه يُعد خطة لـتهجير الفلسطينيين حاملي جواز السفر الأردني، الذين قال إنهم يشكلون نحو 30% من سكان الضفة الغربية. يُمنح هذا الجواز لسكان الضفة منذ أن تولت الأردن إدارتها عام 1948، بعد قيام دولة إسرائيل على 78% من أرض فلسطين التاريخية.

وبعد تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، تخلّى معظم الفلسطينيين عن جواز السفر الأردني، إلا أن فئة من الفلسطينيين الذين يملكون أملاكًا في الأردن احتفظت به، إلى جانب رقم وطني أردني، إضافة إلى مواطنتهم ورقمهم الوطني في الضفة الغربية، الموثق لدى السلطات الإسرائيلية منذ ما قبل إقامة السلطة الفلسطينية. وصف سموتريتش هذه الفئة بأنها “مُقيمة بشكل غير قانوني”، مهددًا إياهم بالقول: “عليهم المغادرة أو الطرد”.

دعوات ضم الضفة الغربية: أحلام إسرائيلية مؤجلة؟

تزامنت تصريحات سموتريتش الخطيرة مع دعوته لضم 82% من مساحة الضفة الغربية. وكان من المقرر أن تبحث الحكومة الإسرائيلية هذا المقترح في اجتماعها الأخير، لكنها أوقفت النقاش بقرار من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد تلقيه تحذيرًا صارمًا من دولة الإمارات، التي اعتبرت الضم تهديدًا مباشرًا لـاتفاقيات أبراهام التي أبرمتها مع إسرائيل.

لكن مراقبين للشأن الإسرائيلي يرون أن تجميد البحث لا يعني التخلي عن الفكرة إطلاقًا. وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور جمال زحالقة، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، أن ضم الضفة الغربية بات يحظى بشبه إجماع داخل إسرائيل، لكن الخلاف يدور حول توقيته ومساحته التي سيشملها الضم.

ويضيف زحالقة، في حديث خاص لـ”الشرق”، أن بعض الجهات تطالب بضم كامل المناطق باستثناء التجمعات السكانية الكبرى، فيما يدعو آخرون إلى ضم منطقة الأغوار، التي تشكل أكثر من ربع مساحة الضفة، أو الاكتفاء بضم الكتل الاستيطانية فقط، مما يكشف عن تعدد الأطماع الإسرائيلية.

الأغوار: هدف استراتيجي قديم متجدد

تتفق معظم الأحزاب الإسرائيلية على ضرورة ضم الأغوار والكتل الاستيطانية، وتختلف فقط بشأن مصير باقي المناطق. تعود خطط الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لضم الأغوار إلى بدايات الاحتلال عام 1967، لأسباب استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية. فموقعها المحاذي للأردن، ووفرة مواردها الطبيعية من أراضٍ خصبة ومياه جوفية، يجعلها هدفًا لا غنى عنه في الأجندة الإسرائيلية.

ويقول أمير داود: “تُسيطر إسرائيل على 90% من أراضي الأغوار، وتحظر على الفلسطينيين الإقامة والعمل والبناء فيها، مما يحولها إلى منطقة عسكرية مغلقة”. في المقابل، أقامت إسرائيل 25 مستوطنة زراعية، تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي، إلى جانب عشرات المعسكرات ومناطق التدريب العسكري في هذه المنطقة الشاسعة الممتدة، لتؤكد سيطرتها المطلقة.

الفلسطينيون يراهنون على الاعتراف الدولي

في خضم هذه التحديات الجسيمة، يرفض الفلسطينيون جميع أشكال التهجير والضم، ويتعهدون بمقاومتها عبر الوسائل المتاحة، خصوصًا من خلال المؤسسات الدولية والقانون الدولي. ويُركّزون بشكل خاص على توسيع دائرة الاعتراف بدولة فلسطين على حدود عام 1967، والتي تشمل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، كخطوة حاسمة نحو إنهاء الاحتلال.

وقال مسؤولون فلسطينيون لـ”الشرق” إنهم سيطالبون المجتمع الدولي، بعد الاعتراف بالدولة، بفرض عقوبات جادة على إسرائيل لوقف الاستيطان والتهجير القسري، وصولًا إلى الانسحاب الكامل من أراضي دولة فلسطين. هذا المسار، يرون فيه بصيص أمل لتحقيق العدالة.

ويؤكد أمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح”، الفريق جبريل الرجوب، أن “العقوبات الدولية التي فُرضت على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وأجبرته على إنهائه، قادرةٌ على لجم إسرائيل وإنهاء احتلالها للضفة الغربية”. كلمات تبعث على الأمل في قلوب الفلسطينيين، وتدعو المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته التاريخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *