جدل واسع يضرب البنتاجون: مسؤولون يستنكرون تحويل اسم وزارة الدفاع إلى ‘وزارة الحرب’ بأمر من ترمب

في تطور أثار عاصفة من الجدل وردود الأفعال المتباينة، وجّه مسؤولون رفيعو المستوى بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) انتقادات لاذعة للأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترمب، والقاضي بإعادة تسمية الوزارة لتصبح “وزارة الحرب“. واعتبر البعض هذه الخطوة محاولة واضحة “لصرف الانتباه عن مشكلات حقيقية” تتطلب تركيزاً أكبر.
لم يقتصر الأمر على الانتقاد، بل سادت حالة من الاستياء والغضب والارتباك أروقة الوزارة. فالأمر التنفيذي، الذي لم تتضح تفاصيله بعد بشكل كامل، قد يكلف خزينة الدولة مليارات الدولارات في سبيل تغيير شكلي لا يُتوقع أن يسهم في مواجهة التحديات العسكرية المتصاعدة، وعلى رأسها تصاعد حدة تحالف يضم دولاً استبدادية “أكثر عدائية”. هذا ما كشفته مجلة “بوليتيكو” في مقابلات حصرية مع أكثر من 6 مسؤولين حاليين وسابقين، فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم.
تكاليف باهظة وتغييرات جذرية متوقعة
رغم الغموض الذي يكتنف تفاصيل الأمر التنفيذي الذي وقعه ترمب يوم الجمعة، إلا أن التوقعات تشير إلى أن المسؤولين سيواجهون مهمة ضخمة تتمثل في تغيير شعارات وزارة الدفاع. هذه الشعارات تنتشر في أكثر من 700 ألف منشأة تابعة للوزارة في 40 دولة حول العالم، بالإضافة إلى جميع الولايات الخمسين الأميركية.
هذا التغيير المرتقب لن يقتصر على اللافتات الكبيرة، بل سيطال كل صغيرة وكبيرة؛ بدءاً من مقدمات المراسلات الرسمية لستة أفرع عسكرية وعشرات الوكالات الأخرى، وصولاً إلى المناديل المنقوشة في قاعات الطعام. كما سيتضمن تغيير السترات المطرزة للمسؤولين الذين صدق على تعيينهم مجلس الشيوخ، وحتى سلاسل المفاتيح والقطع التذكارية الصغيرة المعروضة للبيع في متجر البنتاجون.
وفي هذا السياق، نقلت مجلة “بوليتيكو” عن مسؤول سابق في الوزارة تأكيده أن “هذا الأمر موجه للرأي العام المحلي فقط”. وأضاف المسؤول، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن “هذا لن يكلف ملايين الدولارات فحسب، بل لن يكون له أي تأثير على الصين أو روسيا. والأسوأ من ذلك، سيستخدمه أعداؤنا لتصوير الولايات المتحدة على أنها داعية للحرب، وتشكل تهديداً للاستقرار الدولي”. وكانت “بوليتيكو” قد كشفت الخميس الماضي أن إدارة ترمب تخطط بالفعل لتغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، بهدف تقديم صورة أكثر هجومية لجيشها أمام العالم.
تبريرات ترمب وموقفه من الكونجرس
خلال مؤتمر صحفي عُقد في المكتب البيضاوي للإعلان عن هذا الإجراء، صرّح الرئيس ترمب قائلاً: “انتصرنا في الحرب العالمية الأولى، وانتصرنا في الحرب العالمية الثانية، وانتصرنا في كل ما سبقها وما بينها. ثم انتبهنا إلى العدالة الاجتماعية، وغيرنا الاسم إلى وزارة الدفاع. لذا، سنصبح وزارة الحرب“.
من المتوقع أن يتطلب تغيير الاسم رسمياً إصدار قانون من الكونجرس. ومع ذلك، أشار شخص مطلع على المداولات إلى أن البيت الأبيض يبحث حالياً عن سبل لتجاوز تصويت الكونجرس. وأوضح بيان صادر عن البيت الأبيض أن الأمر التنفيذي يخول وزير الدفاع بيت هيجسيث بالإشارة إلى نفسه باسم “وزير الحرب” في جميع الاتصالات الرسمية، والتوصية باتخاذ إجراءات تضمن تثبيت هذا التغيير في جميع أنحاء الوزارة.
وأضاف البيان أن “وزارة الحرب” يمكن أن تكون بمثابة اسم ثانوي، وهو ما قد يسمح لهيجسيث بتنفيذ الإجراء دون الحاجة إلى تغييرات جذرية في القانون. وفي سياق متصل، قال مسؤول في وزارة الدفاع، طلب الإشارة إليه كمسؤول في “وزارة الحرب”، إنه من المتوقع أن تتغير تكاليف هذه الخطوة بشكل كبير أثناء تنفيذها.
تداعيات داخلية وارتباك في الأروقة
هذه التبريرات لم تقنع بعض الموظفين داخل الوزارة، بحسب ما ذكرته “بوليتيكو”. فقد علّق أحد المسؤولين قائلاً: “أرى أنه يوجد مليون مشكلة ومصدر إزعاج، وإذا حدث ذلك بالفعل سيستهلك الوقت والجهد”. وتاريخياً، كانت وزارة الحرب موجودة منذ استقلال الولايات المتحدة حتى عام 1947.
في ذلك العام، قامت إدارة الرئيس الأميركي الراحل هاري ترومان بتقسيم الجيش والقوات الجوية إلى فرعين عسكريين منفصلين، وضمتهما إلى القوات البحرية المستقلة آنذاك لتشكيل هيئة جديدة. وبعدها بعامين، صدر قانون من الكونجرس أطلق عليها اسم “وزارة الدفاع“.
ورداً على التساؤلات بشأن التكلفة المحتملة لهذا الإجراء، صرّح ترمب يوم الجمعة: “نعرف كيف نعيد تسمية الوزارة دون الاضطرار إلى الجموح”. كما أشار الرئيس الأميركي إلى أنه غير متأكد مما إذا كان بحاجة إلى موافقة الكونجرس على تغيير الاسم، مؤكداً أنه سيمضي قدماً في هذا الأمر بغض النظر.
وأشارت “بوليتيكو” إلى أن بعض الجمهوريين، ومنهم السيناتور ريك سكوت من ولاية فلوريدا، والسيناتور مايك لي من ولاية يوتا، يقدمون بالفعل تشريعاً يدعم تغيير الاسم.
انتقادات واسعة من الحزبين
لم يسلم هذا الاقتراح من الانتقادات، حتى من كبار الجمهوريين في مجلس الشيوخ. فقد أعرب السيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل، كبير الجمهوريين المشرف على إنفاق البنتاجون، عن تحفظاته. وقال زعيم الأغلبية الجمهورية السابق في مجلس الشيوخ على منصة “إكس”: “إذا كنا نسميها وزارة الحرب، فمن الأفضل أن نجهز الجيش لمنع الحروب والفوز بها بالفعل”.
وتابع ماكونيل محذراً: “لا يمكننا الحفاظ على التفوق الأميركي إذا كنا غير مستعدين لإنفاق المزيد على جيشنا بشكل كبير أكثر من (الرئيس السابق جيمي) كارتر أو (جو) بايدن. إن (السلام من خلال القوة) يتطلب الاستثمار، وليس مجرد إعادة تسمية”.
من جانبهم، سارع الديمقراطيون إلى تسليط الضوء على المفارقة في هذا الإجراء، خاصة وأنه يأتي من رئيس يطمح في الحصول على جائزة نوبل للسلام، وتعهد بإنهاء الحروب في قطاع غزة وأوكرانيا. واتهم الديمقراطيون البيت الأبيض بمحاولة واضحة لصرف الانتباه عن مشكلات حقيقية وملحة.
وقالت السيناتور الديمقراطية جين شاهين، ممثلة ولاية نيو هامشير وأكبر عضو ديمقراطي في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، في تصريحات لشبكة MSNBC يوم الجمعة: “هذه أجواء خطيرة للغاية”. وأضافت: “إن إنفاق الرئيس ووزير الدفاع الوقت والجهد على صرف الانتباه عما نحتاج إلى القيام به – وهو التركيز على استعداد قواتنا في الخدمة – ليس أكثر من محاولة لصرف الانتباه عن مشكلات أخرى تجري في البلاد”.
في المقابل، دافع هيجسيث، وزير الدفاع المرشح الذي دفع باتجاه تعزيز “روح المقاتل الحربي” في صفوف القوات المسلحة، عن القرار مؤكداً أنه “سيحدد مسار البلاد”.
فوضى إدارية وتحديات مستقبلية
رجحت “بوليتيكو” أن تطبيق هذا التغيير، الذي بدا ارتجالياً، قد تسبب بالفعل في ارتباك شديد داخل مبنى البنتاجون. وقد تجلى ذلك في تصرف أحد المسؤولين الذي قرر بشكل مستقل السيطرة على صفحة “وزارة الحرب” على موقع “لينكد إن”، وذلك لمنع أي خصم أجنبي أو منتقد لإدارة ترمب من الاستيلاء عليها. وقد تساءل علناً على منصات التواصل الاجتماعي عن الجهة التي يجب أن تسلم إليها الصفحة.
وعلى صعيد آخر، قام البنتاجون بالفعل بتغيير اسم حسابه على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) إلى “وزارة الحرب“، مع تحديث الصورة الرمزية للصفحة، إلا أن الشعار القديم لوزارة الدفاع لا يزال يظهر في بعض الأماكن. كما قام البنتاجون، يوم الجمعة، بإعادة توجيه المستخدمين من موقعه الرسمي defense.gov إلى war.gov، الذي تعرض لتعطل مؤقت.
وقال مسؤول دفاعي آخر إن الأمر استغرق أسابيع من وزارة الدفاع لتفتيش مواقع الوكالات التي تحتوي على إشارات إلى التنوع والمساواة والشمول بعد أن طالبت إدارة ترمب بحذفها. ويتصور المسؤولون أن المشكلة هذه المرة ستكون أطول أمداً وأكثر تعقيداً بكثير.
وتوقعت المجلة أن يؤدي هذا التغيير إلى إرباك العديد من الجامعات والمنظمات غير الربحية والمتعاقدين الذين يعتمدون على وزارة الدفاع في التمويل. ومن المحتمل أيضاً أن يشكل تحدياً كبيراً في الرسائل الإعلامية والاستراتيجية.
ونقلت “بوليتيكو” عن مستشار بارز في صناعة الدفاع قوله: “على الصعيد التكتيكي، سيعني ذلك الاضطرار إلى إعادة تسمية قدر هائل من مواد التعاقد والتسويق وتطوير الأعمال، سواء كانت رقمية أو غير ذلك، والتي تشير تحديداً إلى وزارة الدفاع”. وأضاف: “من الناحية الاستراتيجية، وحتى من الناحية الفلسفية، يمكن أن يثير ذلك تساؤلات جديدة بشأن ما يعنيه دعم وزارة الحرب، الأمر الذي من المحتمل أن يرسل رسالة أكثر عدائية إلى حلفائنا وخصومنا على حد سواء”.









