عرب وعالم

صعود اليمين المتطرف في أوروبا: هل تُهدد استطلاعات الرأي استقرار القارة العجوز؟

يشهد المشهد السياسي الأوروبي تحولاً لافتاً، حيث تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تصدّر أحزاب اليمين المتطرف في كبرى دول القارة، بريطانيا وفرنسا وألمانيا. فبعد سنوات من ارتفاع معدلات الهجرة وتزايد التضخم، يبدو أن سخط الناخبين بلغ ذروته، مُثيرًا تساؤلاتٍ حول مستقبل الاستقرار السياسي في أوروبا.

دخلت أحزاب اليمين المتطرف مناهضة الهجرة بالفعل إلى الحكم في دولٍ عدة، لكن هذا العام يُمثّل حدثاً استثنائياً، حيث تتقدّم هذه الأحزاب في أكبر اقتصادات أوروبا في آنٍ واحد. فهل ينذر هذا الصعود بفترةٍ من الاضطرابات السياسية الشديدة؟

الهجرة والتضخم: وقود صعود اليمين

شهدت أوروبا، شأنها شأن الولايات المتحدة، ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات الهجرة بالتزامن مع موجة تضخم، أثّرت سلباً على قدرة الكثيرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية. على الرغم من تراجع التضخم حالياً، إلا أن أسعار السلع لا تزال مرتفعة، ما يُفاقم شعور الكثيرين بتدهور أوضاعهم المعيشية. ولعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وتأجيج الاستقطاب.

وعلى خلاف الولايات المتحدة، تشهد معظم دول أوروبا جموداً اقتصادياً، ما يُعزز الشعور بأن القارة على أعتاب سنوات من التراجع، مُضافاً إليه الجمود السياسي المُزمن. هذا المزيج من العوامل يُشكل بيئة خصبة لنمو أحزاب اليمين المتطرف.

اليمين المتطرف يُسيطر على استطلاعات الرأي في بريطانيا وفرنسا وألمانيا

في بريطانيا، حقق حزب “إصلاح المملكة المتحدة”، بقيادة نايجل فاراج، تقدماً ملحوظاً، متقدماً على كلا الحزبين الكبيرين، حزب العمال وحزب المحافظين، اللذين سيطرا على المشهد السياسي البريطاني لعقود.

أما في ألمانيا، فيُنافس حزب “البديل من أجل ألمانيا” حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بقوة، مُحققاً تقدماً لافتاً في استطلاعات الرأي، للمرة الأولى منذ أشهر.

وفي فرنسا، يُسجّل حزب “التجمع الوطني” تقدماً ثابتاً، حيث يُظهر استطلاع رأي حديث أن جوردان بارديلا، المدعوم من مارين لوبان، يتمتع بشعبية واسعة.

أسباب الصعود: بين الهجرة والقلق الاقتصادي

يستغل حزب “التجمع الوطني” في فرنسا، القلق من تزايد عدد المسلمين في البلاد، بالإضافة إلى التراجع الملحوظ في مستوى المعيشة بين الطبقات العاملة والمتوسطة. وقد تحوّل الحزب من حركة هامشية إلى قوة سياسية كبيرة، مُعقّداً بذلك عملية الحكم في فرنسا.

في ألمانيا، يتزامن صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” مع انخفاض أعداد المهاجرين، إلا أن الإحباط الاقتصادي يُمثّل عاملاً أساسياً في تعزيز جاذبية الحزب، خاصةً مع فشل الحكومة في تنفيذ إصلاحات اقتصادية فعّالة.

يُشير مانفريد جولنر، رئيس مؤسسة “فورسا” الألمانية، إلى “الفجوة” بين الوعود السياسية والنتائج الملموسة على أرض الواقع، كأحد أسباب هذا الصعود. ويُلخّص هذا الواقع شعوراً متزايداً بالإحباط بين الناخبين الأوروبيين.

يعتمد حزب “البديل من أجل ألمانيا” على سياساتٍ معادية للهجرة، ورافضة للاتحاد الأوروبي، مُعادية أيضاً لفكرة تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية. ولكنه يستغل أيضاً الإحباط الاقتصادي لتعزيز شعبيته، مُركّزاً على المقترحات الاقتصادية في حملاته الانتخابية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *