هدنة السودان.. «كلمة حق» تخفي مناورات سياسية
قيادي سوداني بارز يكشف أبعاد الدعوات الجديدة لوقف إطلاق النار، محذراً من استخدام المأساة الإنسانية غطاءً لأهداف عسكرية.

في وقت تتصاعد فيه الأصوات الدولية المطالبة بوقف إطلاق النار في السودان، تأتي المواقف السياسية من الداخل لترسم صورة أكثر تعقيدًا للمشهد. فالدعوات المتجددة إلى هدنة السودان الإنسانية، التي تبدو مطلبًا منطقيًا في ظل الكارثة التي وثقتها التقارير الأممية، يُنظر إليها بعين الشك من قبل أطراف رئيسية في الساحة السودانية، التي ترى فيها ما هو أبعد من مجرد المساعي الإنسانية.
توقيت مريب ودوافع خفية
يرى معتز الفحل، الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي، أن الحديث المتكرر عن الهدنة هو بمثابة «كلمة حق أريد بها باطل». ويستند هذا التقييم إلى أن هذه الدعوات تأتي متأخرة للغاية، بعد سقوط ما يربو على 100 ألف شخص بين قتيل ومفقود، وتصاعد الانتهاكات المروّعة في مدن مثل الفاشر والجنينة، التي تحولت إلى مسارح لجرائم حرب ارتكبتها قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها، بحسب شهادات دولية ومحلية.
ويعكس هذا الموقف قناعة سياسية متنامية بأن هدنة السودان في التوقيت الحالي قد تخدم مصالح قوات الدعم السريع أكثر مما تخدم المدنيين. فبعد ارتكاب انتهاكات جسيمة، قد تمنحها الهدنة فرصة لإعادة ترتيب صفوفها أو فرض أمر واقع في المناطق التي سيطرت عليها، وهو ما يفسر التحفظ الشديد من جانب القوى السياسية والجيش السوداني.
شروط الحل لا المساواة بين الدولة والميليشيا
يؤكد الفحل على شرط جوهري لا يمكن التنازل عنه قبل الحديث عن أي تسوية، وهو انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمستشفيات والمناطق السكنية. ويشدد على أنه من غير المنطقي المساواة بين جيش دولة يسعى لفرض سيادته، وميليشيا مسلحة متهمة بارتكاب جرائم قتل واغتصاب وسحل بحق المدنيين. هذا الشرط لا يمثل فقط مطلبًا تفاوضيًا، بل يعبر عن جوهر الأزمة المتعلقة بشرعية السلاح ووجود كيان مسلح موازٍ للدولة.
وفي هذا السياق، يوضح المحلل السياسي السوداني، الدكتور عثمان ميرغني، أن «أي هدنة السودان لا تتضمن آليات واضحة لانسحاب الميليشيات وحماية المدنيين ستكون مجرد استراحة تكتيكية مؤقتة، تسمح للمعتدي بالتقاط أنفاسه وتثبيت مكاسبه الميدانية، مما يعقّد أي حل سياسي مستقبلي».
الدور المصري.. مبادرة مبكرة وركيزة أساسية
في خضم التعقيدات الإقليمية والدولية، يبرز الدور المصري كعامل استقرار محوري. ويشير الفحل إلى أن القاهرة كانت صاحبة المبادرة الأولى لجمع دول الجوار في يوليو 2023، في محاولة لرسم مسار سياسي ينهي الحرب. ويُنظر إلى هذا التحرك المصري على أنه لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي، بل نابع من فهم عميق لخطورة امتداد الفوضى في السودان على الأمن القومي المصري والإقليمي.
وتشير التقديرات إلى أن أي مسار سياسي أو إنساني قادم لإنهاء الأزمة السودانية سيعتمد بشكل كبير على الدعم المصري، الذي يمثل ركيزة أساسية لضمان التزام الأطراف بأي اتفاق يتم التوصل إليه، سواء كان هدنة إنسانية أو تسوية سياسية شاملة.
خلاصة المشهد.. ما وراء الهدنة
في المحصلة، تبدو أزمة هدنة السودان أعمق من كونها مجرد خلاف حول وقف القتال. إنها تعكس صراعًا على مستقبل الدولة السودانية نفسها، بين رؤية تدافع عن مؤسسات الدولة الرسمية، وأخرى تسعى لشرعنة وجود كيانات مسلحة خارج إطارها. وبينما يظل وقف نزيف الدم أولوية إنسانية قصوى، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تضمن عدم تحولها إلى أداة سياسية تكرّس واقعًا أكثر خطورة على المدى الطويل.









