اقتصاد

هات.. شركة توصيل إسرائيلية تتحدى غياب العناوين والدفع الإلكتروني

قصة نجاح حسن عباسي وتطبيق "هات" في خدمة مجتمعات عربية تواجه تحديات لوجستية ومصرفية فريدة

في بلدات عربية بشمال إسرائيل، حيث لا تحمل المنازل عناوين واضحة، نجحت شركة توصيل ناشئة في تحقيق ما عجزت عنه الشركات الكبرى. “هات” لم توصل الطعام الساخن فقط، بل ابتكرت حلولاً لمجتمع يعتمد بشكل كبير على الدفع النقدي ويفتقر للبنية التحتية الرقمية والمادية التقليدية.

خريطة خاصة في مدن منسية

تواجه أي شركة توصيل تحديات مثل الحفاظ على حرارة الطعام أو تجنب تلف العبوات، لكن شركة “هات” الناشئة، التي أسسها حسن عباسي، واجهت عقبة أساسية: الكثير من منازل عملائها من عرب إسرائيل ليس لها عناوين بريدية. في عشرات البلدات العربية التي تخدمها الشركة، لا وجود لأسماء شوارع أو أرقام مبانٍ بشكل منتظم، مما يجعل التوجيهات التقليدية مثل “بعد المسجد، المنزل ذو البوابة الخضراء” هي القاعدة.

هذا الواقع، الذي يعكس فجوة تنموية عميقة، هو ما أبعد شركات التوصيل الكبرى عن هذه المناطق. وللتغلب على هذه المشكلة، قامت “هات” بمهمة شاقة تمثلت في رسم خرائط خاصة لكل المساكن في نطاق عملها، مستخدمة بيانات تراكمت من ملايين عمليات التوصيل الفعلية لتحديد المداخل الدقيقة لكل منزل، وتوفير هذه المعلومات مباشرةً لسائق التوصيل.

محفظة رقمية بـ”الكاش”

لم تقتصر التحديات على الجغرافيا، بل امتدت إلى النظام المالي. قطاع كبير من عملاء الشركة لا يملكون حسابات بنكية أو بطاقات ائتمان، إما لكونهم شباباً بلا تاريخ ائتماني، أو عمالاً يتقاضون أجورهم نقداً، أو لأسباب دينية تتجنب الأدوات المالية القائمة على الفائدة. ابتكرت “هات” حلاً لهذه المعضلة، حيث يقوم سائقو التوصيل بتحصيل الأموال النقدية من العملاء وشحنها في محافظ “هات” الرقمية الخاصة بهم.

هذه المحفظة لم تعد مقتصرة على طلب الطعام من المطاعم المحلية عبر التطبيق، بل أصبحت بوابة للوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي. يمكن للعملاء الآن استخدام رصيدهم في “هات” للشراء من شركات عالمية مثل أمازون، و”إيكيا”، و”نتفلكس”، مما يفتح لهم آفاقاً استهلاكية كانت مغلقة في السابق.

أرقام قياسية في 4 سنوات

منذ انطلاقها في عام 2020، شهدت “هات” نمواً هائلاً يعكس حجم الحاجة التي لبتها. توسعت شبكتها من 9 مطاعم إلى 3000، وزاد فريق عملها من 4 موظفين إلى 300، وقفز عدد سائقي التوصيل من 5 إلى 5000. ووفقاً لعباسي، حققت الشركة الناشئة مبيعات إجمالية تقارب 250 مليون دولار، ونجحت في جمع 18 مليون دولار من مستثمرين بارزين في إسرائيل.

تخطط الشركة الآن لاستغلال خبرتها المكتسبة في التوسع نحو أسواق أوروبية وإفريقية تشترك في خصائص مشابهة لمجتمعها الأصلي: عملاء لديهم قوة شرائية وهواتف ذكية، لكنهم يواجهون صعوبات في الوصول للخدمات المصرفية عبر الإنترنت أو يعيشون في مناطق تفتقر للبنية التحتية المنظمة، معتبرة ألمانيا أحد أهدافها الرئيسية.

من أم الفحم إلى “جوجل” والعودة

رحلة حسن عباسي، البالغ من العمر 35 عاماً، هي جزء لا يتجزأ من قصة نجاح شركته. نشأ في مدينة أم الفحم، وأصر على دراسة علوم الكمبيوتر رغم معارضة والده الذي قطع عنه الدعم المالي. عمل في “ماكدونald’s” ليدخر من أجل دراسته في معهد “تكنيون” المرموق، وحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه، وعمل في شركات عملاقة مثل “إنتل” و”آي بي إم” و”جوجل” في زيورخ، حيث ألهمته سهولة خدمات توصيل الطلبات هناك.

عند عودته إلى أم الفحم، أدرك الفجوة الهائلة في الخدمات وقرر استغلال خبرته التقنية لإطلاق المشروع الذي أصبح “هات”. في البداية، قوبلت فكرته بالسخرية من أصحاب المطاعم المحليين، لكن جائحة كورونا فرضت واقعاً جديداً، وأصبح تطبيقه اليوم مسؤولاً عن نصف أعمال الكثير منهم، كما يروي محمد أبو ماجد، صاحب مطعم “الطازج”.

طموحات دولية وهوية معقدة

رغم نجاحه، واجه عباسي صعوبة في جذب استثمار من مجتمعه المحلي الذي يفضل العقارات على الشركات الناشئة، مما دفعه للتوجه إلى تل أبيب. هناك، لاقت فكرته ترحيباً كبيراً، ووصفه السير رونالد كوهين، أحد كبار المستثمرين، بأنه “من أفضل رواد الأعمال الذين قابلهم”. لكن هويته كمواطن فلسطيني مسلم في إسرائيل تظل عاملاً معقداً، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة منذ أكتوبر 2023.

هذه الهوية كانت سبباً في فشل أولى محاولاته للتوسع الخارجي في المغرب، حيث تعرض لحملات مقاطعة لكون شركته إسرائيلية، مما أجبره على إغلاق عملياته هناك. يخطط عباسي الآن لتوجيه خطوته الدولية التالية نحو أسواق غير إسلامية مثل اليونان وألمانيا، مستلهماً تجارب شركات مثل “رابي” في أمريكا اللاتينية و”غراب” في جنوب شرق آسيا.

جسر بين ثقافتين

يرى المستثمرون مثل كوهين أن ريادة الأعمال العربية مثل تجربة حسن عباسي ضرورية لدمج عرب إسرائيل في النسيج الاقتصادي للبلاد. من جانبه، يؤكد عباسي أن “هات” تساهم في سد الفجوات الثقافية، حيث يضم فريق عمله مسيحيين ومسلمين ودروزاً ويهوداً. ويختتم قائلاً: “بالطبع، هناك من يعارض هذا النوع من التعاون، لكننا نعتقد أن امتزاج الثقافات أمر رائع”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *